حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
“مناظر لفليم اقتصادي”
( 1)
يرى بعض المهتمين بالتاريخ الاقتصادي السوداني أن قرارات التأميم والمصادرة التي صدرت في ١٩٧٠م ..ويومها كانت حكومة مايو “حمراء” هي التي أنهت الوتيرة المتصاعدة التي ينمو بها الاقتصاد السوداني…يوم أن كان الجنيه يعادل قرابة الأربعة دولارات و “ربع الرطل يملأ القزازة” بهذه المناسبة في منطقتنا عندما تسمع الجزارين يصيحون.. بعشرة بعشرة …فإنهم يشيرون لسعر ربع الكيلو علماً بأنهم قبل الحرب كانوا يروجون بسعر الكيلو .. فالمؤكد كنتيجة لتلك القرارات ١٩٧٠م دخل الاقتصاد السوداني في معاداة المؤسسات المالية الغربية …
جيلنا لم يكن مُدركاً إدراكاً كاملاً بما كان يجري في ستينات القرن الماضي رغم أننا كنا صبياناً يُفعاً
لكن عشنا بوعي ما جرى في سبعينات وثمانينات القرن الماضي ..قال أحد مدراء السكة حديد السابقين أنه في عام ١٩٧٩م كانت محاصيل الحبوب الزيتية من سمسم وفول سوداني والتي كانت معدة للتصدير في محطة السكة حديد بالنهود وحدها تزيد على مجمل ماصدره السودان في العشرة سنوات الأخيرة ..
(2)
كنت أحياناً أقود العربة لوالدي عندما يذهب للمنطقة الصناعية بالباقير لشراء الأمباز والرَدة …بفتح الراء… وقد رأيت بأم عيني الجرارات الضخمة وهي تخرج من شركة الشيخ مصطفى الأمين محملة بالزيوت والصابون والأمباز متجهة إلى بورتسودان للتصدير ..فيها صابون حمام يسمى سالي ..
حكى لي صديقي وقريبي ودفعتي الراحل أبوبكر الأمين سكرتير تحرير صحيفة الميدان السابق أنه بعد انتفاضة أبريل ١٩٨٥م كانوا ذاهبين لندوة سياسية بود مدني في صحبة القطب الشيوعي الأستاذ التيجاني الطيب الذي غائباً عن البلاد لفترة طويلة وهم في حالة معارضة شرسة مع النميري … وعند مرورهم بالباقير طلب التيجاني أن يعرجوا على المنطقة الصناعية …حيث دخاخين المصانع مختلطة مع غبار الشاحنات ..وبعد التجوال لما لايقل عن ساعة قال لهم التيجاني إن هذا شيء لا يصدق … إنها تنمية حقيقية …قلت لأبي بكر أها إن شاء الله في ندوتكم بالليل أديتو النميري حقه … فضحك ضحكة أخرجته عن وقاره الذي عُرف به.
(3)
عند دخولنا عالم الصحافة بعد انتفاضة أبريل ١٩٨٥م وجدنا جدلاً حول احتكار شركة الاقطان لتصدير القطن وشركة الصمغ العربي لتصدير الصمغ وهناك شركة تحتكر تصدير الماشية ” فات على اسمها بالضبط .. الآن فالزهمرة حصلت …هذه الشركات الثلاثة كانت تمتلك بنيات أساسية مرتفعة الأثمان وموظفين أكفاء وتجيد التعامل مع الأسواق الخارجية والداخلية…ولكن توصيات صندوق النقد الدولي… التي تدعو إلى حرية التجارة كانت تصر على فرتقة تلك الشركات وفتح باب التصدير للكافة… وبالطبع هناك من تلقّف أفكار الصندوق وروّج لها فجاءت الإنقاذ وأكملت الناقصة فلحقت تلك الشركات أمات طه …
(4)
أها تعالوا شوفوا اليوم العلينا دة…لا أحد يتحدّث عن تجار الصادر … نسي الناس تصدير القطن “اللهم إلا استقالة الفريق نصر الدين” لا يوجد ذكر لتجار الصمغ العربي… ولا مصدري الحبوب الزيتية ولا مصدري الماشية …طلع في كفر الأموال أناس جمعوا أموالهم من مصادر لا تحتاج إلى عمالة لأنه ليس بها انتاج حقيقي… ثم ينفقونها فيما لايفيد البلاد والعباد … ويحافظون عليها بما يدمّر كل المصالح والقيم …علة السودان الحالية في هؤلاء، لأنهم متحكمون في كل شيء … ويلا غني يا قونة …وألعب يا محترف …وأكتب يا فالح.. ودقي يا موسيقى… وأنا ما بفسّر وإنت ما تقصّر.






