الأمين العام لاتحاد الصحفيين صلاح عمر الشيخ ل”الكرامة” :
نرفض وصف الصحفيين بالهاربين
نطالب النائب العام ووزير العدل بوقف مطاردة الصحفيين بقانون المعلوماتية
قضيتنا تتجاوز الحادثة إلى أصل الحماية القانونية للصحفي
نرفض الخلط بين الصحفي المحترف والناشط
البعض يحمل صفة رئيس تحرير موقع دون خبرة أو معايير مهنية
لابد من ضوابط وتنظيم لعمل قطاع الإعلام
عودتنا إلى الداخل ستحرك الكثير من الملفات وشرعنا في تأهيل دار الاتحاد
بين مطرقة ظروف الحرب والأوضاع الاقتصادية، وسندان الملاحقات القانونية وبلاغات الهروب من العدالة يواجه الصحفي السوداني امتحان حرية الكلمة ، في هذا الحوار، يضع الأستاذ صلاح عمر الشيخ، الأمين العام لاتحاد الصحفيين السودانيين، النقاط على الحروف بشأن قضية الـ 47 صحفياً الملاحقين، حيث أكد أن غياب الحمايات المكفولة وتجميد القوانين المنظمة للعمل الصحفي أوجد حالة من الفوضى ، ويتطرق الحوار إلى تفاصيل الخطوات العملية للدفاع عن الأعضاء، والرسائل من وراء استئناف نشاط الاتحاد من مقرّه بالداخل، بجانب كشف كواليس المبادرات المرفوعة للدولة لتأمين معيشة الصحفيين ومواجهة خطاب الكراهية في مرحلة ما بعد الحرب.
حوار – لينا هاشم
دونت بلاغات ضد عدد من الصحفيين السودانيين وصُنفوا قانونياً كـمتهمين هاربين ما هو موقف الاتحاد من هذا التوصيف ؟
موقفنا في الاتحاد واضح ولا يقبل اللبس نرفض رفضاً قاطعاً محاكمة الصحفيين بقانون المعلوماتية ويجدّد الاتحاد تأكيده على موقفه الثابت والواضح بشأن قضايا النشر، ويعرب عن قلقه البالغ إزاء إخضاع الصحفيين للمحاكمة بموجب قانون جرائم المعلوماتية ، وتطبيق قانون المعلوماتية الذي يخاطب العامة من مواطنين وناشطين وصحفيين دون تمييز أدّى إلى طمس طبيعة العمل الصحفي والخلط غير المقبول بين الصحفي المحترف والناشط، وتهميش الحمايات القانونية التي كفلها قانون الصحافة والمطبوعات لعام 2009 ، فقانون 2009 يحظر اتخاذ أي إجراءات أو بلاغات ضد الصحفي دون الرجوع المباشر والإخطار المسبق لاتحاد الصحفيين ، وكان يستلزم التحقيق مع الصحفي الحصول على إذن رسمي من الاتحاد.
أيضاً كان هناك اتفاق مع وزارة العدل يقضي بالإفراج عن الصحفي بالضمان الشخصي فور انتهاء التحقيق في قضايا النشر، مراعاة لخصوصية المهنة ، فغياب هذه الأطر والضمانات مع التراجع عن العمل بالصحافة الورقية والوسائط التقليدية خلق أزمة حقيقية تهدد حرية الصحافة وسلامة فرسان الكلمة ، ونحن إذ نرفض هذا الواقع الجديد نطالب بالعودة فوراً إلى تطبيق النصوص والتوافقات التي تحمي الصحفي أثناء أدائه لواجبه المهني.
كيف يتابع الاتحاد هذه البلاغات؟ وهل يملك الاتحاد تفاصيل الحيثيات والاتهامات الموجهة لهؤلاء الصحفيين، أم أنكم تفاجأتم بها كغيركم عبر وسائل الإعلام؟
تفاجأنا في الاتحاد كما تفاجأ الرأي العام والصحفيون المعنيون أنفسهم بأنباء تدوين بلاغات قانونية ضدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وما يدعو للغرابة والتحفظ الشديد أن بعض الصحفيين المدوّن بحقهم بلاغات قُيدت حريتهم وصدِرت بحقهم قرارات حظر قبل حتى إخضاعهم لأي تحقيق رسمي ، والأدهى من ذلك أن بعض هذه الحالات كانت قد شهدت تواصلًا مباشراً مع الشاكي وتم التوصل إلى تسوية بخطوة اعتذار ونشره عبر ذات المنصات التي نُشر فيها الخبر، وبالفعل تم الالتزام بنشر الاعتذار ومع ذلك تفاجأ الجميع بتدوين البلاغات ، ولذلك سنتحرك بصورة عاجلة لترتيب اجتماعات رسمية مع كلٍّ من النائب العام ووزير العدل لمناقشة هذه القضية بالتحديد ووضع حد لهذه التجاوزات والمطالبة بضوابط دائمة وبحث ومراجعة كيفية التعامل القانوني والإجرائي مع الصحفيين بشكل عام بما يضمن عدم المساس بحريتهم وحقوقهم المهنية المكفولة قانوناً .
استناداً إلى القوانين الوطنية والمواثيق الدولية لحرية الصحافة ما هو السند القانوني الذي تعتمد عليه السلطات في ملاحقة الصحفيين بهذه التهم؟ وهل يرى الاتحاد أن هناك استغلالاً للقانون لكبت الرأي ؟
نواجه اليوم إشكالية حقيقية تتمثل في الخلط الواضح بين جرائم المعلوماتية والعمل الصحفي بالإضافة إلى وجود فجوة في التعاطي القانوني مع تعريف الصحفي وتصنيفه لذلك أصبحت الحاجة ماسة وملحة لإصدار قانون جديد للإعلام يواكب متغيرات العصر ، فصحفي اليوم لم يعد محصوراً في إطار الصحافة الورقية بل امتد ليشمل الصحافة الإلكترونية، والإعلام المرئي والمسموع وإذا كان القانون القديم يضمن الحماية القانونية على الجميع تحت مسمى صحفي فإن الواقع الراهن يشهد حالة من الفوضى المطلقة حيث أصبحت عدة أطراف غير مؤهلة تنصب نفسها في موقع المسؤولية الإعلامية ، كمن يدير موقعاً إلكترونياً ويمنح نفسه صفة رئيس تحرير دون خبرة أو معايير مهنية ، ولمواجهة هذا التفلت يجب إقرار ضوابط صارمة تُنظم القطاع تتلخص في التنظيم والترخيص وضرورة أن يحصل الصحفي والمؤسسة الإعلامية والمواقع والحسابات على تراخيص رسمية ومعتمدة من الجهات المختصة وكفالة الحماية والحقوق القانونية الكاملة للصحفيين والمؤسسات المرخصة أسوة بالإعلام التقليدي ، والتفرقة بين النشر الإعلامي والتجاوز الفردي ، القانون لا يحمي التجاوزات أو الآراء الشخصية المنشورة على الصفحات الخاصة وهي تخضع لقوانين أخرى ، إن ضبط هذه الممارسات والفصل بين حرية الصحافة والجرائم المعلوماتية يتطلب فتح قنوات تنسيق مباشرة وعاجلة مع النائب العام ووزارة العدل لوضع أطر قانونية حاسمة تحمي المهنة وتحفظ هيبتها .
غالبية الصحفيين الملاحقين يمارسون عملهم من خارج البلاد أو من مناطق نزوح بسبب الظروف الأمنية هل يُعدّ عدم حضورهم للتحقيق هروباً من العدالة أم إكراهاً فرضته ظروف الحرب؟
تكمن الإشكالية الجوهرية في عدم اتباع الإجراءات القانونية الأصولية لمواجهة الصحفي بالاتهامات المنسوبة إليه، للتحقق مما إذا كان ممتنعاً عن الحضور أو فاراً من العدالة.
فالسؤال المفصلي هنا – هل تم إخطار الصحفي رسمياً واستدعاؤه للمثول أمام الجهات المختصة ورفض الحضور، أم أن الوصف أُطلق عليه دون استيفاء الشروط والضوابط القانونية للإعلان
تنص لوائح الاتحاد ونظامه الأساسي على حماية الأعضاء وتقديم الدعم القانوني لهم ما هي الخطوات العملية والعاجلة التي اتخذتها الدائرة القانونية بالاتحاد للدفاع عن هؤلاء الصحفيين وإسقاط هذه البلاغات ؟
قضيتنا اليوم تجاوزت حدود الدفاع عن 47 صحفياً لتصل إلى أصل الحماية القانونية لمهنة الصحافة برمتها ، إن الإشكالية الجوهرية تكمن في خرق النص القانوني لسنة 2009 الذي يشترط بوضوح عدم إخضاع أي صحفي للتحقيق إلا بعد الحصول على إذن مسبق من الاتحاد وهو الإجراء الذي تم تجاوزه تماماً، مما دفع الاتحاد لإصدار بيان رسمي يُحدد هذا الخرق ، وعليه فإن تحركنا نحو السيد وزير العدل والسيد النائب العام يرتكز على محورين أساسيين -الانتهاك الإجرائي الصارخ والتجاوز الصريح للضمانات والتسهيلات المقررة للصحفيين بموجب القانون الساري عند مسائلتهم ، بجانب الازدواجية التشريعية والتعطيل واستمرار إخضاع الصحفيين لـقوانين جرائم المعلوماتية أثناء ممارستهم لمهامهم المهنية، رغم إقرار وزارة العدل سابقاً بالفجوة التشريعية وضرورة سنّ تشريع جديد يواكب الواقع ، ورغم تقديم مقترحات متتالية والوعود المستمرة بإصدار هذا القانون، إلا أنه ما زال حبيس الأدراج، مما يخلق بيئة من الفوضى والاضطهاد المهني ، لذلك نطالب بتطبيق القانون القائم بحزم والإسراع في إقرار التشريع الجديد المُوعود لضمان حماية العمل الصحفي وتنظيمه وفق أطر دستورية وقانونية سليمة .
كيف يتواصل الاتحاد مع الاتحاد الدولي للصحفيين والاتحاد العام للصحفيين العرب والمنظمات الحقوقية بشأن هذه القضية؟
نعم ، هناك تواصل حثيث ومستمر مع هذه الجهات التي تبادر بالاستفسار دوريًا لاسيما عقب بياننا الأخير ، ونترقب صدور موقف رسمي عنهم قريباً إذ يتبنون موقفًا رافضًا لهذا المسار حيث يرون في تحريك بلاغ ضد 47 صحفيا ملاحقةً وتعديًا صريحاً على حرية الصحافة ومن جانبنا، سنوافيهم بكافة الحيثيات والملابسات، مع مواصلة متابعة موقفهم عن كثب .
تمثل عودتكم الان إلى أرض الوطن نقطة مهمة في مسار عمل الاتحاد ، ما هي الدوافع والرسائل الأساسية من هذه العودة في هذا التوقيت ؟
لم يغب الاتحاد يوماً عن ممارسة نشاطه من قلب الوطن ورغم وجود بعض قياداته خارج البلاد، إلا أن العجلة لم تتوقف بفضل جهود القيادات الصامدة في الداخل ما نشهده اليوم هو مرحلة إعادة تأهيل مقر الاتحاد لاستعادة نشاطه كاملاً من داخله فبعد أن تشتت الجهود مع بداية الحرب بين عطبرة وولايات أخرى، بادرنا الآن بعمليات صيانة الدار وإصلاح ما طالها من تدمير ممنهج على يد المليشيا المتمردة .
ما هي أولى الخطوات العملية التي ستبدأون بإتخاذها فور وصولكم لإعادة تفعيل هياكل الاتحاد واستئناف نشاطه من الداخل ؟
إعادة تأهيل دار الاتحاد واستيفاء متطلبات مسجل تنظيمات العمل يقتضيان إنفاذ اشتراطات أساسية، في مقدمتها حصر وتحديث قاعدة العضوية ونظراً لحالة الركود التي سبقت الحرب وما ترتب عليها من متغيرات واسعة في صفوف الأعضاء، تتصدر أولوياتنا المباشرة معالجة ملف العضوية وتحديث سجلاتها، تمهيدًا لاستحقاق الانتخابات القادمة .
أفرزت الحرب واقعاً أليماً للصحفيين بين نزوح ولجوء وفقدان لمصادر الدخل ، كيف يقرأ الاتحاد الأوضاع الإنسانية والمعيشية الحالية للصحفيين؟
هذا الملف بالغ التعقيد ،فقد معظم الصحفيين وظائفهم جراء التوقف التام للمؤسسات الصحفية بسبب الحرب ، وتؤكد إحصائياتنا توقف وتدمير أكثر من 60 مؤسسة صحفية وإعلامية، مما أدى إلى تشريد الكوادر الصحفية، والتحاق بعضهم ببدائل صحفية وإلكترونية وقنوات جديدة وأمام هذا الواقع، تقدمنا بمبادرة للحكومة لإنقاذ الصحفيين وإخراجهم من هذه الأزمة، ترتكز على إنشاء مؤسسات إعلامية فضلاً عن إطلاق فضائيات وإذاعات جديدة ، لتستوعب هذه الكوادر .
هل حظي هذا المقترح بموافقة الدولة؟
نعم، حظي المقترح بموافقة مبدئية من الدولة ونحن الآن بانتظار وضع آليات التنفيذ وفي هذا الصدد يقع على عاتق الدولة تقديم الدعم عبر تسهيلات تشمل الإعفاءات الجمركية والضريبية، وتوفير مدخلات الإنتاج كـالورق والأجهزة التقنية للمنصات إن استقرار الصحفيين لن يتحقق إلا بدعم حكومي جاد، لا سيما وأن الإعلام الخاص متطوعاً تحمل عبء التغطية الإعلامية طوال فترة الحرب، ومن الوفاء اليوم مكافأته وتمكينه ليستعيد استقراره ورسالته.
هل هناك تنسيق مع منظمات إقليمية أو دولية (كالاتحاد الدولي للصحفيين أو الاتحاد الأفريقي) لتقديم دعم مباشر ومستدام للصحفيين السودانيين؟
ظل الاتحاد يتابع هذه الخطوة منذ اندلاع الحرب، وقدمنا عدة مقترحات أبرزها تأسيس صندوق دائم لدعم الصحفيين أسوة بالمعمول به دولياً لضمان حد أدنى من العيش الكريم ورغم الموافقة الرسمية وتبني المبادرة الوطنية إلا أن القرار لا يزال حبيس الأدراج بسبب عقبات إدارية نأمل تجاوزها لينتقل المقترح إلى التنفيذ الفعلي .
كيف يسعى الاتحاد لتجميع المكونات الصحفية وتوحيد رؤيتها لمواجهة خطابات الكراهية وتعزيز السلم المجتمعي وإعادة بناء الوطن؟
يُعدّ هذا الملف هو الأهم ويتطلب تضافراً مجتمعياً واعياً كونه الخط الدفاعي الأول لمحاربة خطاب الكراهية واجتثاث جذور العنصرية وتطهير النفوس مما ألمّ بها من ضغائن وأحقاد ، إن الأولوية القصوى للإعلام في المرحلة المقبلة تتلخص في إدارة هذه الملفات الشائكة برؤية وطنية ناضجة وحسٍّ عالٍ بالمسؤولية .
رسالة إلى الصحفيين ؟
رسالتي الى الأسرة الصحفية كافة أقول :إن رسالتنا أسمى وأعظم من أن تُهدر في الخلافات والشحناء، إننا قادة التغيير والإصلاح المجتمعي، وهو ما يفرض علينا الالتفاف حول ثوابت وطنية تُعدّ خطوطاً حمراء لا يجوز التنازل عنها أو تجاوزها لقد حان الوقت لنتوحد جميعاً ونضع هذه الثوابت نصب أعيننا لنقود مجتمعنا نحو بر الأمان .





