الوالي وضع الملف على رأس الأولويات
جنوب كردفان..العودة للزراعة
توسيع التمويل وإعفاء المتعثرين من المزارعين..دعم الإنتاج
تمويل مؤسسة جبال النوبة يصنع النهضة..الذهب الأبيض
كافي يلتزم بتطوير زراعة الخضر والفاكهة في الولاية
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
بحث والي جنوب كردفان فريق شرطة حقوقي محمد عبد الرحيم كافي، مع المدير العام للبنك الزراعي السوداني صلاح محمد عبد الرحيم، سبل معالجة تعثر الموسم الزراعي بالولاية وتوسيع التمويل وفتح نوافذ مصرفية جديدة، في وقت تسعى فيه جنوب كردفان إلى استعادة دورها كإحدى أهم الولايات الزراعية في البلاد بعد أن ألقت الحرب بثقلها على الإنتاج وأوصلت بعض مناطقها إلى شفا حفرة من نار معاناة غذائية قاسية، وحمل اللقاء الذي شارك فيه وزير الإنتاج والموارد الاقتصادية سيد حماد كافي ومديرو الإدارات المتخصصة بالبنك، حمل مطالب تتجاوز زيادة التمويل إلى إعادة بناء البيئة الزراعية نفسها، من تمويل الآليات والمدخلات والطاقة الشمسية، إلى إنشاء مخازن مبردة للفاكهة، وتأهيل الجمعيات الزراعية، وفتح فروع ونوافذ مصرفية في مناطق الإنتاج.
تداعيات الحرب
والواقع أن ولاية جنوب كردفان لم تكن في يوم من الأيام ولاية هامشية في خارطة الإنتاج الزراعي السوداني، ارتكازاً على إمكانياتها المتمثلة في الأرض الواسعة، والمناخ المتنوع، والموارد الطبيعية المتعددة، هذا فضلاً عن أن المزارع يعرف أرضه ومواسمها، كما يعرف خطوط يده، ولكن آلة الحرب فعلت ما لم تستطع سنوات الجفاف وحدها أن تفعله، قطعت الصلة بين المزارع وأرضه، وتعطلت حركة المواطنين، وتراجعت المساحات المزروعة، وارتفعت كلفة المدخلات، وشح التمويل، وتراجعت قدرة المنتجين على الوصول إلى الأسواق، بل إن بعض المناطق بلغت فيها المعاناة الغذائية مستويات قاسية، اضطر معها المواطنون إلى الاحتماء بما تجود به الأشجار من ثمار لسد الرمق في مفارقة مؤلمة أن تجوع ولايةٌ تملك الأرض ويملك مزارعوها القدرة على الإنتاج، لكنهم افتقدوا التمويل والأمان والسوق.
العودة إلى الحقول
ويرى مراقبون أن إعادة الزراعة إلى سابق عهدها ليست قضية اقتصادية فقط، وإنما هي أيضاً قضية أمن غذائي واستقرار اجتماعي وتعافٍ من آثار الحرب، ومن هذه المفاهيم يمكن قراءة لقاء والي جنوب كردفان بالمدير العام للبنك الزراعي، ذلك أن الفريق شرطة حقوقي محمد عبد الرحيم كافي لم يذهب إلى البنك بحثاً عن أرقام على الورق، وإنما حمل معه قائمة من الاحتياجات التي تبدأ من تمويل ضعيف وتنتهي بحاجة الولاية إلى بنية مصرفية قادرة على ملاحقة المزارع أينما كان، وطالب الوالي بزيادة التمويل الزراعي، وافتتاح فرع للبنك الزراعي في منطقة الترتر حاضرة محلية التضامن، إلى جانب الاستفادة من المخزون الاستراتيجي الموجود في العباسية تقلي، مؤكداً أن استقرار ولاية جنوب كردفان وأمنها سيفتحان الطريق أمامها لتصبح من الولايات الزراعية والمنتجة الأولى في السودان، وبتفصيل أكثر جاءت مطالب وزارة الإنتاج التي نادت بضرورة زيادة سقف السحب اليومي، وتوسيع التمويل البستاني، وتمويل الآليات، وإعفاء المتعثرين، إلى فتح نوافذ للبنك في المناطق التي لا توجد بها فروع، واللافت أن البنك الزراعي لم يكتفِ بالاستماع، وإنما أعلن اتجاهه للعمل على فتح نوافذ في مناطق مثل قدير والرشاد بعد إجازة الميزانية، إلى جانب تمويل الطاقة الشمسية للمشروعات البستانية عبر الجمعيات الزراعية.
مشروع لإعادة الزراعة
يقول لسان المعطيات إن التحدي الذي تواجهه ولاية جنوب كردفان، أكبر من مجرد إنقاذ موسم زراعي تأخر موعده، فالولاية في حاجة ملحة إلى مشروع متكامل لإعادة إعمار القطاع الزراعي، يبدأ بالتمويل ولا ينتهي عند الحصاد، فالمزارع الذي يحصل على التمويل دون أن يجد التقاوي الجيدة، أو لا يستطيع توفير الوقود، أو يفتقد الآلية، أو يعجز عن نقل إنتاجه إلى السوق، أو يضطر إلى بيع محصوله بأقل من كلفته، سيظل يدور في الحلقة نفسها، لذلك تبدو الحاجة ماسة إلى إنشاء محفظة أو صندوق خاص لإعمار الزراعة في جنوب كردفان، تشارك فيه الحكومة والبنك الزراعي والقطاع الخاص والمستثمرون، ويخصص لتمويل سلسلة الإنتاج كاملة، كما ينبغي أن يأتي تمويل المدخلات في الوقت المناسب، ويجب أن يتوسع تمويل الآليات، كما أن الطاقة الشمسية يمكن أن توفر حلاً مستداماً للمشروعات البستانية، بينما تمثل المخازن والصوامع والمخازن المبرَّدة ضرورة لحماية المنتج من التلف والفاقد، وأما الجمعيات الزراعية، فيمكن أن تتحول من كيانات محدودة النشاط إلى وحدات إنتاج وتمويل جماعي تحصل على التمويل وتوفر المدخلات والخدمات لأعضائها.
قاطرة تنتظر التمويل
ولا يكاد الشارع في جنوب كردفان يفتر من الحديث عن إعادة السيرة الأولى لمؤسسة جبال النوبة الزراعية بتمويلها ونفخ الروح فيها لتعود ذراعاً إنتاجياً متخصصاً في الزراعة بولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، فإذا أعيد تنظيم مؤسسة جبال النوبة الزراعية على أسس حديثة، يمكن أن تلعب دوراً يتجاوز مجرد الزراعة إلى بناء سلسلة اقتصادية متكاملة، ويمكن للبنك الزراعي أن ينشئ للمؤسسة محفظة تمويلية متخصصة، على أن يوجه التمويل إلى مشروعات إنتاجية واضحة، تشمل المدخلات والآليات والتخزين والنقل والتصنيع، ويمكن للقطاع الخاص أن يدخل شريكاً في المشروعات، فيما توفر السلطات المختصة بالولاية، الأرض والتسهيلات والبنية الأساسية، وتعمل المؤسسة على إدارة الإنتاج وتسويقه، بيد أن الأهم من ذلك كله أن تتغير العقليات وفلسفة العمل من «نزرع ثم نبحث عن السوق»، إلى «نعرف السوق أولاً ثم ننتج وفق احتياجاته»، فتكون مؤسسة جبال النوبة بهذه المفاهيم هي حلقة الوصل بين المزارع والبنك والمستثمر والمصنع والسوق.
عودة «الذهب الأبيض»
ويحتل قطن جبال النوبة قصير التيلة موقعاً خاصاً في قلب هذا المشروع، ويشدد خبراء ومختصون بألا يكون الحديث عن القطن مجرد استدعاء لذكريات الماضي، وإنما التفكير في تحويله إلى مشروع اقتصادي متكامل، بحيث تكون البداية بتوفير التقاوي الجيدة والتمويل والمدخلات، ثم إدخال المزارع في نظام الزراعة التعاقدية، بحيث يعرف مسبقاً أين سيذهب محصوله ومن سيشتريه، وبعد ذلك يأتي التجميع والحلج والتصنيع، وصولاً إلى الغزل والنسيج، بدلاً من الاكتفاء ببيع القطن خاماً، وهنا يمكن لمؤسسة جبال النوبة الزراعية أن تتولى تنظيم المنتجين، فيما يتولى البنك الزراعي التمويل، ويشارك القطاع الخاص في التصنيع والتسويق، لتكون المعادلة: « قطن يُزرع ويُحلج ويُصنّع في جبال النوبة، فيوفِّر دخلاً للمزارع وفرص عمل للشباب، ويعيد للريف دورة اقتصادية كادت الحرب أن توقفها».
خاتمة مهمة
على كلٍّ.. فإن أهم ما في لقاء والي جنوب كردفان بالبنك الزراعي، إعادة وضع الزراعة في قلب مشروع التعافي، ذلك أن الأرض التي ظلت تنتظر أبناءها طوال سنوات الحرب، قادرة على أن تمنحهم أكثر من الغذاء، لكن ذلك يحتاج إلى قرار واضح بأن تتحول جنوب كردفان من ولاية تبحث عن المساعدات إلى ولاية تنتج غذاءها، ومن مزارع ينتظر الدعم إلى منتج يمول اقتصاداً كاملاً، وإذا وجدت مؤسسة جبال النوبة الزراعية طريقها إلى التمويل، ودخلت الطاقة الشمسية والآليات والتخزين والتصنيع في منظومة واحدة، فإن «السيرة الأولى» للزراعة ستعود أقوى وأكثر تنظيماً وقدرةً على تحقيق الأمل، وصناعة المستقبل.






