عقار أكد أن العلاقة بين البلدين رسّخها الإرث المشترك واختبرتها الحرب
السودان ومصر.. وحدة المصير
روابط التاريخ تصمد أمام اختبار الراهن وتستشرف مرحلة البناء
وحدة السودان وسيادته ركيزة لاستقرار المنطقة..موقف القاهرة
مصر فتحت أبوابها للسودانيين..دعم تماسك الدولة
تقرير– رحمة عبدالمنعم
في لحظةٍ تجاوزت في دلالاتها مراسم وداع دبلوماسي أنهى فترة عمله، أعاد نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي مالك عقار إير، خلال حفل وداع السفير المصري لدى السودان هاني صلاح، رسم صورة العلاقة بين السودان ومصر باعتبارها علاقة تتجاوز حدود السياسة والمصالح الآنية، وتستند إلى تاريخ مشترك وامتداد اجتماعي وإنساني ظل أكثر وضوحاً في أوقات المحن والأزمات،وجاءت كلمة عقار محمّلة برسائل سياسية وإنسانية عميقة، أكدت أن العلاقة بين البلدين الشقيقين لم تكن يوماً مجرد شعارات ترددها المنابر الرسمية، وإنما علاقة صنعتها الجغرافيا، ورسّخها التاريخ، واختبرتها الظروف الصعبة
شعب واحد
وأكد نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار أن عبارة «مصر والسودان شعب واحد في وادي النيل» لم تكن جملة بروتوكولية تقال في المناسبات، وإنما حقيقة جسّدتها المواقف قبل الكلمات، في إشارة واضحة إلى ما قدمته مصر للسودان والسودانيين منذ اندلاع الحرب، وما أظهرته من تضامن رسمي وشعبي في واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ السودان الحديث.
وتوقف عقار في كلمته عند موقف مصر من السودانيين الذين دفعت بهم الحرب إلى مغادرة ديارهم بحثاً عن الأمن والاستقرار، مشيراً إلى أنهم وجدوا في مصر «بيتاً مفتوحاً، لا حدوداً مغلقة، وأهلاً لا غرباء».
وتحمل هذه العبارات دلالات تتجاوز المجاملة الدبلوماسية؛ فهي توثق جانباً مهماً من مشهد الحرب السودانية، حيث احتضنت مصر أعداداً كبيرة من السودانيين، وتقاسمت معهم تداعيات المحنة، في امتداد طبيعي للروابط الاجتماعية والثقافية والتاريخية بين الشعبين.
وقد أراد عقار، من خلال هذا التوصيف، التأكيد أن العلاقات السودانية المصرية تمتلك رصيداً شعبياً وإنسانياً يجعلها أكثر قدرة على الصمود في وجه التقلبات السياسية والظروف الاستثنائية، وأن روابط الدم والجوار ومجرى النيل شكلت عبر التاريخ سياجاً يحفظ خصوصية العلاقة بين البلدين.
موقف ثابت
وحملت كلمة نائب رئيس مجلس السيادة تقديراً واضحاً للموقف الرسمي المصري منذ اندلاع الحرب، ولا سيما تمسك القاهرة بوحدة الدولة السودانية وسيادتها، وإيمانها بأن السودانيين هم أصحاب الحق في تقرير مستقبل بلادهم والوصول إلى الحل الذي يصون الدولة ويحفظ مؤسساتها ووحدتها الوطنية.
وأشار عقار إلى أن الموقف المصري اتسم بالوضوح والثبات، انطلاقاً من اعتبار ما يجري في السودان شأناً سودانياً، وأن أي تسوية حقيقية ينبغي أن تستند إلى إرادة السودانيين وتحافظ على وحدة البلاد وسيادتها.
وبحسب عقار، لم يقتصر الدعم على المواقف السياسية، وإنما انعكس كذلك في الحضور الدبلوماسي المصري داخل السودان،فقد أشار نائب رئيس مجلس السيادة إلى أن السفارة المصرية واصلت أداء رسالتها، وأن البعثة الدبلوماسية المصرية كانت أول بعثة تعود إلى السودان في مايو 2023، وهو ما اعتبره رسالة عملية تؤكد أن العلاقات بين الخرطوم والقاهرة تقوم على الحضور والثقة والشراكة، لا على البيانات السياسية وحدها.
حضور دبلوماسي
وخصّ عقار السفير المصري هاني صلاح بإشادة لافتة، معتبراً أنه جسّد خلال فترة عمله موقف بلاده في ظرف استثنائي، وأدى مهمته في مرحلة أصبحت فيها الدبلوماسية اختباراً للصبر والحكمة والثبات،وقال إن بصمات السفير ستظل حاضرة في ذاكرة هذه المرحلة، بعدما شكّل جسراً للتواصل وحافظ على حضور العلاقات المصرية السودانية في وقت كانت فيه البلاد تمر بأشد ظروفها تعقيداً.
كما استحضر عقار عودة شركة مصر للطيران إلى بورتسودان في سبتمبر 2023 كأول شركة طيران أجنبية تستأنف رحلاتها، قبل أن تتوقف لاحقاً بسبب الظروف الأمنية، ثم تعود مجدداً في الخامس من أغسطس 2026.
وحملت الإشارة إلى استئناف الرحلات معنى سياسياً واقتصادياً يتجاوز قطاع الطيران؛ إذ قدّمها عقار باعتبارها رسالة ثقة جديدة في قدرة السودان على استعادة أمنه وحركته الطبيعية وانفتاحه على محيطه الإقليمي.
وفي ختام كلمته، أعاد عقار العلاقة السودانية المصرية إلى إطارها التاريخي الأوسع، مؤكداً أن البلدين لا تربطهما علاقة مرتبطة بسفير أو حكومة أو ظرف سياسي محدد، وإنما علاقة «أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعمق من أن تهزها الظروف العابرة».
إعادة الإعمار
وقالت الكاتبة الصحفية سمية سيد إن كلمة مالك عقار لامست جانباً بالغ الأهمية في الوجدان السوداني، لأنها لم تتحدث عن مصر بلغة العلاقات الرسمية وحدها، وإنما تحدثت عنها من زاوية الموقف الذي يظهر وقت الشدة.
وأضافت أن الحرب دفعت آلاف الأسر السودانية إلى طرق أبواب دول الجوار، وكانت مصر من البلدان التي احتضنت السودانيين وفتحت أمامهم مساحات واسعة للحياة والعلاج والتعليم والإقامة، ولذلك فإن هذا الموقف الإنساني سيبقى واحداً من أبرز صفحات العلاقات الشعبية بين البلدين.
وأوضحت سيد أن القاهرة، بالتوازي مع ذلك الدور الإنساني، ظلت تؤكد رسمياً موقفها الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه واستمرار مؤسسات الدولة، وهو موقف اكتسب أهمية أكبر في ظل المحاولات التي تهدد كيان الدولة السودانية ومستقبلها.
وأضافت أن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة، فالسودان لا يحتاج فقط إلى المساندة السياسية، وإنما إلى شركاء في إعادة البناء، ومصر بما تملكه من مؤسسات وخبرات وشركات وقدرات فنية يمكن أن تلعب دوراً بارزاً في إعادة إعمار المدن والمنشآت والبنى التحتية والخدمات التي تضررت جراء الحرب.
وقالت: ما فعلته مصر خلال الحرب منح العلاقة بين الشعبين رصيداً إنسانياً جديداً، وما يمكن أن تفعله في مرحلة إعادة الإعمار قد يمنح هذه العلاقة بعداً استراتيجياً وتنموياً أكثر رسوخاً. فقد احتضنت مصر السودانيين عندما احتاجوا إلى مأوى وأمان، وظلت في الوقت نفسه مساندة لوحدة الدولة السودانية وسيادتها، واليوم تعلن استعدادها لأن تكون جزءًا من مرحلة البناء والتعافي.






