د.عبد اللطيف البوني يكتب: (الدقوا منو ياناس ؟)

حاطب ليلد

د.عبد اللطيف البوني

(الدقوا منو ياناس ؟)

(1)
حادثة مدرسة كرري التي اعتدى فيها الضابط المعاشي العظيم… بصفعة على وجه المعلم الذي ضرب ابنه ضربا مبرحا …ثم أشهر ذات الضابط سلاحه الناري في وجه الأساتذة الذين ناصروا المعلم المصفوع …ملأت الدنيا وشغلت الناس… هذا بالتعبير القديم أما بلغة اليوم… فقد شغلت التايملاين السوداني … وأصبحت ترينداً ..وفي تقديري انه هذه واحدة من حسنات السوشيال ميديا… اذ جعلت العملية الإعلامية مشاعة مثل الماء والهواء …وأي حادثة مهما كانت فردية ومحلية …قابلة على أن تكون قيد البحث والنقاش على مستوى قومي.. وفي الهواء الطلق ..وقد سرّني أكثر اختلاف وجهات النظر فيها لأن مثل هذا الاختلاف يثري النقاش …ويظهر الكثير من التفاصيل التي كانت مجهولة ….والأهم من كل ذلك أن مثل هذا الذيوع الاعلامي… يجعل الكافة يشعرون أنهم مراقبون في أفعالهم … وانه مافي حاجة بتستخبى بعد الآن … وأكان القانون ما طالك الإعلام بطولك ….وأن هناك حساب قبل حساب يوم القيامة… .فلئن قال الشاعر الجاهلي زهير ابن أبي سلمى :–
مهما تكن عند أمري من خليقة
إن خالها تخفى على الناس تعلم..
ففي زمن ذلك الشاعر وإلى وقت قريب …علم الآخرين بالمدسوس كان يأخذ وقتاً طويلاً …وربما بعد رحيل الفاعل …ولكن الآن وبفضل الإعلام الحديث أصبحت “الكمدة بالرمدة”… فإذا صفعت المعلم وأشهرت سلاحك في المدرسة ..قبل أن ترجع لبيتك بعد فض الاشتباك …تجد السودان كله يتحدث بما فعلت… وهاك ياردم …
(2)
لقد قرأت المنشور الذي أصدره السيد اللواء والذي حكى فيه بكل شجاعة ما حدث… وأرجع ما حدث لعاطفة الابوة …هذا المنشور الذي أصدره كفيل بإدانته ..فأخذ الحق باليد أمر مرفوض …صفع معلم في مدرسته وأمام تلاميذه ووسط زملائه أمر مرفوض …إشهار سلاح داخل سور المدرسة بحجة الدفاع عن النفس أمر مرفوض …لأن المعلمين لم يصلوا مرحلة الفتك بحامل السلاح…
(3)
قرات بيان نقابة المعلمين وما صدر من بعض الجهات التربوية ..فالدفاع عن المعلم أمر مشروع ..وكنت أتمنى أن يتعرض الذين دافعوا عن المعلم لما نسب إليه من ضرب التلميذ ضرباً مبرحاً… لدرجة الذهاب به إلى المستشفى… تكذيباً أو تصديقاً ..حتى الآن الرواية التي تقول بذلك هي رواية الأب اللواء معاش …لكن إذا كانت تلك الرواية صحيحة فيجب أن يدان المعلم هو الآخر على فعلته.. ..فالتربية الحديثة ترفض رفضاً باتاً طريقة “ليكم العضم ولينا اللحم” ..وإن كان البعض مصراً على سياسة الضرب بحجة من أمن العقوبة أساء الأدب …فاليكن ذلك معقولاً .. .وإن كنت أرى أن سياسة العصا لا داعي لها في المدرسة … أقول هذا و في ذهني زملاء دراسة قبل نصف قرن من الزمان… كانوا في غاية الذكاء وما شردهم من المدرسة إلا العنف ولا أقول الإرهاب تأدباً… الذي كان يمارسه بعض الأساتذة…أما عن الخلوة فاسكت ساكت …احترامنا الأكيد لأساتذتنا الأجلاء ..وحنينا للماضي… والرومانسية التي تجري فينا مجرى الدم.. لاتمنعنا من نقد بعض ممارسات ذلك العهد… لكي نجنب الأجيال اللاحقة بعض ما حاق بنا من أخطاء تربوية …
(4)
المؤسسة التعليمية والمؤسسة العسكرية كلاهما فوق الرأس والعين ولكليهما تعظيم سلام …فالأولى حارسة وعينا وفكرنا ..والثانية حارسة مالنا ودمنا … ما حدث في مدرسة كرري تفلتات فردية …المؤسستان منه براء ..إن كان لي وجهة نظر في الأمر …فإنني أرى أن تصدر وزارة التربية والتعليم قراراً يمنع العقاب البدني في المدارس… وإن كان لابد فيمنع المدرس المباشر من القيام به… ..وأن تصدر قيادة القوات المسلحة قراراً يمنع معاشييها من حمل السلاح في غير أوقات وأماكن الحرب …أقول هذا حتى نستفيد من سوابقنا في ترقية حاضرنا ومستقبلنا… فالأمم الحية تخطيء وتستفيد من أخطائها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top