اندياح
داليا الياس
العلم نور…والوعي منارة
بعد تجربتي المريرة والطويلة مع تفلتات السوشل ميديا…لشد ما أحزنني أن أجد البعض من حملة الشهادات والألقاب العلمية المتطورة…وبعض المهاجرين لدول العالم الأول المتقدمة …يدورون في فلم التنمر والجهالة… والقذف والبهتان ..وسوء التقدير والتعبير …بكامل إرادتهم !!
وهذا ما دفعني للتساؤل… هل التعليم …ورغد العيش والوظائف المرموقة… والأموال الطائلة …وبيوتات الأزياء الشهيرة …والعطور الباريسية …وحدهم يجعلون منك إنساناً ناجحاً؟!!!
إن الشهادة يمكنها أن تفتح الباب.. لكن المهارات والثقافات والذكاء الإجتماعية هم الذين يبقونك في الطريق القويم….
في زمنٍ مضى،…كان الحصول على الشهادة الأكاديمية يُشبه امتلاك مفتاحٍ سحري يفتح لك أبواب المستقبل.. كلما ارتفعت شهادتك… ارتفعت مكانتك…وكلما زادت الدرجات العلمية التي تحملها …زاد إحترام الناس لك…وبدا أنك قطعت شوطاً كبيراً نحو النجاح….ولكننا اليوم…ومن عبث الأيام … أن بعض الذين يأتون بالموبقات والأذى هم من تلك الفئة….ودونكم عملاء السفارات الذين خانوا الله والبلاد والعباد.
ولا أحد يستطيع أن ينكر أهمية التعليم والتحصيل الأكاديمي… فالعلم أساس… والشهادة ثمرة جهد وإجتهاد… وقد تكون في كثير من المهن شرطاً أساسياً لا غناً عنه….لكن الحقيقة التي بدأت تتضح أكثر في عالم اليوم هي أن الشهادة وحدها لم تعد كافية!
قد تجد شخصاً يحمل أعلى الدرجات العلمية… لكنه يعجز عن إدارة فريق… أو التواصل مع زملائه… أو التعبير عن فكرته… أو التعامل مع إختلاف الآراء!
وقد تجد وزيراً أو سفيراً أو قيادياً يجبُن عن إتخاذ القرار… ويظل متكلساً في كرسيه الوثير دون تأثير…لأنه يفتقر للظهارات النفسية والروحية.
وقد تجد آخر لا يحمل قائمة طويلة من الشهادات…ولكنه يمتلك من المهارات… والذكاء الإجتماعي … والقدرة على التواصل والتعلم…والرغبة الأكيدة في تطوير نفسه …وإلتزامه بثقافات الإعتذار والإمتنان وإتقان الكلام الطيب ما يجعله أكثر نجاحاً وقبولاً وعطاء.
إن المعادلة تغيرت اليوم….
لم يعد السؤال فقط :(ماذا درست)؟….بل أصبح السؤال: (ماذا تستطيع أن تفعل بما درست؟)
هل تستطيع أن تتعلم شيئاً جديداً أم تكتفي بتحصيلك الأكاديمي القديم؟
هل تستطيع أن تتحدث لغة أخرى؟…هل تستطيع أن تقدم نفسك وأفكارك بصورة جيدة؟…هل تعرف كيف تتعامل مع الناس وتحترمهم؟….هل تستطيع إدارة خلاف في الرأى أو مواقف الحياة دون أن تخسر الإنسان الذي أمامك؟…هل لديك القدرة على العمل تحت الضغط؟….هل تستطيع إتخاذ قرار حاسم عندما يصبح القرار مسؤوليتك وحدك ومتابعة تنفيذه؟…. هذه الأسئلة أصبحت جزءاً من تقييم الإنسان في الحياة والعمل.
تعلم اللغات لم يعد رفاهية… بل نافذة إضافية على العالم المتشابك… كل لغة جديدة تمنحك مساحة أوسع للتواصل …والفهم …والعمل والاطلاع…ومعرفة ثقافات أخرى…وتفتح أمامك أبواباً ربما لم تكن تراها من قبل…
وكذلك المهارات المهنية والتقنية.. فالعالم يتغير بسرعة…والمنافسة تشتد… وما تعلمناه بالأمس قد لا يكون كافياً لمواجهة متطلبات الغد….ولذلك فإن الإنسان الذي يتوقف عن التعلم… حتى وإن كان ناجحاً الآن… قد يجد نفسه بعد سنوات خارج المنافسة.
لكن هناك مهارات أخرى لا تُكتب كلها في شهادات الجامعات… وربما تكون أحيانًا أهم من الشهادة نفسها…..مثل الكياسة.. الدبلوماسية…. الكلمة الطيبة.. حسن الإستماع.. إحترام الاختلاف.. شجاعة الإعتذار….الإستئذان..والقدرة على قول “لا” في وقتها… نقد الآخرين دون إساءة….وغيرها الكثير.
وهذه ليست تفاصيل هامشية في شخصية الإنسان…. بل جزء أنفصيل من تربيته وسلوكه ونفسه السوية…هذه أدوات للنجاح العملي الفعلي الواقعي الحقيقي.
فكم من شخص خسر فرصة لأنه لم يعرف كيف يتحدث…
وكم من شخص أضاع علاقة مهنية مهمة لأنه لم يعرف كيف يختلف بأدب….
وكم من إنسان امتلك العلم والخبرة… لكنه لم يستطع الوصول إلى الآخرين لأن غروره كان أعلى من قدرته على التواصل!.
الحياة لا تكافئ دائماً الأكثر علماً فقط… وإنما تكافئ أيضًا الأكثر قدرة على توظيف علمه… والأكثر مرونة في التعامل، والأكثر وعياً بنفسه وبالآخرين….
ومن أهم المهارات
أن تمتلك شجاعة التعبير عن رأيك دون وقاحة….
أن تقول “لا أعرف” عندما لا تعرف…بدلًا من إختراع إجابة مضللة أو التبرع بمعلومة كاذبة قد تؤذي أحدهم….وأن تعترف بخطئك دون أن تشعر أن الاعتذار يقلل من قيمتك….
أن تدافع عن حقك دون أن تتحول إلى شخص أناني …
أن تواجه الخطأ… حتى عندما يكون الصمت أسهل….
وأن تمتلك القدرة لتبدأ من جديد وتعود أدراجك عندما تكتشف أن الطريق الذي سلكته لم يعد مناسبًا لك.
نحن بحاجة كذلك إلى تطوير الذات…طوّر طريقة تفكيرك……طوّر مهاراتك…
اقرأ أكثر…تعلم من أخطائك…استمع إلى النقد بصدر رحب…راقب نقاط ضعفك قبل أن تنشغل بنقاط ضعف الآخرين…وإنهض حالما تعثرت حتى ولو عاطفياً..
إن العالم الحقيقي ليس قاعة امتحان نحصل فيها على درجة ثم نغادر….
العالم الحقيقي امتحانه مستمر…والأسئلة فيه مباغتة… ولا يمنحك أحد أربع إجابات تختار من بينها!.
الشهادة مهمة….نعم.
والدرجات العلمية مهمة… نعم. ولكن أنت لا تحتاج فقط إلى عقلٍ متعلم… وإنما تحتاج أيضًا إلى شخصية ناضجة… ولسانٍ مهذب… وعقلٍ مرن… وقلبٍ متسامح يعرف قيمة الناس… وشجاعةٍ تجعلك قادراً على مواجهة الحياة.
وفي هذا العالم المتغير… لم يعد النجاح مجرد ورقة معلقة على الحائط..
النجاح هو ما تستطيع أن تصنعه بعلمك…ومهاراتك… وأخلاقك…وشخصيتك… وقدرتك على أن تكون إنسانًا يعرف كيف يعيش ويتعامل وينجح…وهكذا مثلث الفلاح.
*تلويح
القلم مابيزيل…بلَمْ






