تواصل إسناد المليشيا لضرب مواقع بالسودان “أديس أبابا ”.. سلوك عدواني

تواصل إسناد المليشيا لضرب مواقع بالسودان

“أديس أبابا ”.. سلوك عدواني

استخدام الأراضي الإثيوبية لهجمات المُسيّرات..تعدي سافر

انخراط آبي أحمد في دعم التمرّد.. تساؤلات

أمن السودان لايتجزأ من استقرار المنطقة.. الجغرافيا والمجتمعات

تقرير: محمد جمال قندول

تواصل إثيوبيا في مخططها المعادي للسودان، وذلك بفتح أراضيها لاستخدام مليشيا الدعم السريع المتمردة .
وخلال حرب الكرامة، تدهورت العلاقات بين الخرطوم وأديس، والأخيرة منذ اندلاع الحرب لم تقدم مواقف واضحة بشأن أزمة البلاد، كما لم تدعم المؤسسات الشرعية للبلاد ،حيث كانت تتخذ موقفاً رمادياً تحول لاحقاً بالكامل لدعم التمرّد والعدوان.
سلوك عدواني
في الثاني من مارس 2026، حذرت وزارة الخارجية السودانية إثيوبيا من مواصلة ما وصفته بـ«السلوك العدواني»، واتهمتها بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق هجمات بطائرات مسيرة على مواقع داخل السودان، مؤكدة احتفاظ الخرطوم بحقها في الرد على ما اعتبرته انتهاكات للسيادة السودانية.
وتزامنت هذه الاتهامات مع تقارير دولية وإقليمية تحدثت عن وجود معسكرات تدريب قرب الحدود السودانية الإثيوبية، قالت إن آلافاً من عناصر مليشيا الدعم السريع تلقوا فيها التدريب، إلى جانب حصولهم على دعم لوجستي وأسلحة بتمويل إماراتي.
لا يمكن قراءة الانخراط الإثيوبي المزعوم بمعزل عن المصالح الاستراتيجية لأديس أبابا. فإثيوبيا تواجه ضغوطاً اقتصادية وأمنية وسياسية متشابكة، وتسعى في الوقت نفسه إلى تعزيز موقعها الإقليمي، خصوصاً في ملفات المياه والبحر الأحمر والحدود.
إن الأمر يتجاوز حدود المناورة السياسية إلى مستوى أكثر خطورة، يتمثل في تحويل الأراضي الإثيوبية إلى مساحة خلفية تعمل من خلالها على إسناد المليشيا المتمردة، بما يمنح المليشيا متنفساً لوجستياً ويضاعف الضغط العسكري على الدولة السودانية.
ملفات شائكة
وتظل منطقة الفشقة أحد أبرز ملفات الخلاف الحدودي بين البلدين. ولذلك، فإن أي اضطراب طويل الأمد في السودان قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة الحدودية بما يخدم أجندات أطراف خارجية.
ويبرز سد النهضة باعتباره أحد الملفات الأكثر حساسية في العلاقة بين البلدين. ومن منظور سياسي، فإن إضعاف الموقف التفاوضي السوداني أو إحداث تغيير في طبيعة السلطة في الخرطوم قد يخدم مصالح إثيوبية مرتبطة بملف المياه.
حسابات
وتتجاوز الحسابات الإثيوبية الحدود السودانية إلى البحر الأحمر. فطموح أديس أبابا للحصول على منفذ بحري أصبح مكشوفاً، ودعمها للمليشيا المتمرّدة أصبح أكثر وضوحاً، خاصة بعد تخصيص أراضيها لجبهات قتال وتدريب تستخدمها المليشيا المتمردة لارتكاب المزيد من الانتهاكات.
تعقيدات
ودخلت العلاقات السودانية الإثيوبية مرحلة شديدة التعقيد منذ اندلاع الحرب التي فرضتها المليشيا المتمردة على الشعب السوداني في الخامس عشر من أبريل، وسط اتهامات متزايدة لأديس أبابا بالانخراط في دعم مليشيا الدعم السريع وتوفير تسهيلات لوجستية وعسكرية لعناصرها، بما يثير تساؤلات جدية حول دوافع السياسة الإثيوبية وحساباتها تجاه مستقبل الدولة السودانية. فالتاريخ بين الخرطوم وأديس أبابا لم يكن خالياً من طعنات غدر الأخيرة، غير أن التطورات الأخيرة تفتح اتهامات بالتورط المباشر.
مرحلة حساسة
ويرى الخبير الاستراتيجي والأمني د. أسامة محمد عبد الرحيم أن العلاقات السودانية الإثيوبية تمر بمرحلة بالغة الحساسية منذ اندلاع الحرب التي شنتها مليشيا الدعم السريع المتمرّدة على الدولة السودانية في الخامس عشر من أبريل، خاصة في ظل تصاعد الاتهامات المتعلقة بالدور الإثيوبي في توفير تسهيلات ومساحات دعم للمليشيا، بما يطرح أسئلة مشروعة حول طبيعة الحسابات الإثيوبية تجاه السودان ومستقبل الأمن الإقليمي.
ويضيف أسامة، تاريخياً، ظلت العلاقة بين السودان وإثيوبيا محكومة بمزيج من التعاون والتنافس، حيث جمعت البلدين روابط جغرافية وشعبية ومصالح مشتركة، لكنها في الوقت نفسه شهدت ملفات خلافية معقدة، خاصة فيما يتعلق بالحدود والمياه والنفوذ الإقليمي. غير أن التطورات الحالية تجعل الأمر أكثر خطورة، لأن أي انحياز من دولة مجاورة لصالح طرف مسلح يستهدف مؤسسات الدولة السودانية يمثل تجاوزاً لحدود الخلاف السياسي إلى تهديد مباشر لمبدأ احترام سيادة الدول.
ويشير إلى أن الاتهامات التي وجهتها الحكومة السودانية بشأن استخدام الأراضي الإثيوبية في تقديم دعم لوجستي وعسكري للمليشيا المتمردة، بما في ذلك ما يتعلق بمسارات تدريب أو إسناد قريبة من الحدود، تعكس حجم القلق السوداني من تحول الجوار الجغرافي إلى منصة تستخدم لإطالة أمد الحرب وزيادة معاناة الشعب السوداني.
والقضية هنا، حسب د. أسامة، لا تتعلق فقط بوجود دعم مادي أو عسكري، وإنما تتعلق بتحويل الجغرافيا المشتركة بين البلدين إلى عنصر ضغط على السودان، عبر منح المليشيا المتمردة عمقاً خارجياً يساعدها على الاستمرار في مشروعها الرامي إلى إضعاف الدولة ومؤسساتها.
ويرتبط الأمر عند قراءة الموقف الإثيوبي، بحسابات استراتيجية أوسع. فإثيوبيا تسعى إلى تعزيز دورها الإقليمي، وتواجه في الوقت نفسه تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية، كما أن لديها ملفات حساسة مع السودان، يأتي في مقدمتها ملف سد النهضة والحدود ومنطقة الفشقة.
ويتابع، بالقول : في تقديري، فإن استقرار السودان ووجود دولة قوية ذات مؤسسات مستقرة يصب في مصلحة الإقليم بأكمله، لأن السودان يمثل دولة محورية في معادلات الأمن في القرن الأفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر. وأي محاولة لإضعاف الدولة السودانية أو التأثير على قرارها الوطني لن تنتج مكاسب دائمة لأي طرف، بل ستخلق حالة من عدم الاستقرار تمتد آثارها إلى الجميع.
كما أن البعد المتعلق بالبحر الأحمر بحسب أسامة لا يمكن تجاهله في فهم هذه التحركات. فإثيوبيا دولة حبيسة، وتسعى منذ سنوات إلى تعزيز حضورها في المجال البحري، ولذلك فإن أي اضطراب في السودان، خاصة في المناطق القريبة من ساحل البحر الأحمر، يرتبط بحسابات إقليمية ودولية تتجاوز حدود البلدين.
وأصبح البحر الأحمر اليوم، وفق د. أسامة، أحد أهم مسارح التنافس الاستراتيجي في العالم، والسودان بحكم موقعه الجغرافي وساحله الطويل يمثل رقماً مهماً في هذه المعادلة. لذلك فإن أي محاولة لاستخدام الحرب السودانية لإعادة ترتيب موازين النفوذ في المنطقة يجب أن تُقرأ بوعي كامل، لأنها تمس ليس فقط مستقبل السودان، وإنما مستقبل أمن الإقليم.
ويقول أسامة، إن السودان لا يبحث عن صراع مع جيرانه، بل يسعى إلى علاقات تقوم على التعاون والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لكنه في الوقت نفسه لن يقبل أن تتحول أراضي الدول المجاورة إلى ممرات أو منصات تستهدف أمنه وسيادته.
وختم محدّثي، المرحلة الحالية تتطلب من الجميع إدراك حقيقة أساسية، تتلخص في أن استقرار السودان هو جزء من استقرار المنطقة، وأن دعم المليشيات وإضعاف الدول لا يصنع نفوذاً مستداماً، وإنما يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى التي ستدفع شعوب الإقليم جميعها ثمنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top