تشكيل اللجنة التحضيرية أثار جدلاً واسعاً
«الحوار السوداني».. تساؤلات
اللجنة تواصل اجتماعاتها.. ترقّب الإعلان الرسمي
تحفّظات على بعض الأعضاء..مطالب الحياد
فتح الرحمن فضيل: نجاح الحوار مرهون بالمنهجية والشمول
الفحل حذر من تكرار تجربة الإقصاء ..مسافة واحدة من الجميع
تقرير:رحمة عبدالمنعم
تتجه الأنظار في المشهد السياسي السوداني إلى اللجنة التحضيرية للحوار السوداني–السوداني، في وقت تتواصل فيه اجتماعاتها لترتيب ملامح المرحلة المقبلة، وسط حالة من الترقّب السياسي وتساؤلات متزايدة بشأن طبيعة تشكيلها، وحدود التفويض الممنوح لها، ومدى قدرتها على إطلاق حوار واسع يتجاوز حالة الاستقطاب التي ظلت تحاصر المبادرات السياسية السابقة.
اجتماع اللجنة
وأفادت مصادر مطلعة بأن اللجنة التحضيرية، برئاسة الدكتور قاسم بدر، واصلت اجتماعاتها، وضع الترتيبات المتعلقة بالحوار الوطني وآلياته وأطرافه، مشيرة إلى أن آخر الاجتماعات شهد إجازة عضوية مهند عوض الكريم بصورة رسمية، مقابل استبعاد أمين سعد من التشكيل.
وبحسب المصادر، تضم اللجنة عدداً من الشخصيات السياسية والقانونية والأكاديمية والإعلامية والثقافية، من بينهم المحامي نبيل أديب، والدكتور محمد جلال هاشم، والبروفيسور الواثق كمير، والصحفي عثمان ميرغني، والدكتورة نعمات علي الزبير، وسليمان الأمين، والدكتور محمد المنير، والكاتب عبد الله آدم خاطر، والروائي عبد العزيز بركة ساكن، والبروفيسور منزول عسل، ونصر الدين شلقامي، والمحبوب عبد السلام.
ومن المنتظر، وفقاً للمصادر، أن تعقد اللجنة التحضيرية مؤتمراً صحفياً خلال الأيام المقبلة تكشف فيه بصورة رسمية عن عضويتها، وتقدم شرحاً مفصلاً حول طبيعة الحوار السوداني–السوداني، وأطرافه، وآليات العمل التي ستعتمدها خلال المرحلة المقبلة.
تحفظات
وبينما لم تعلن اللجنة بصورة رسمية عن كامل تفاصيل مهمتها حتى الآن، أثارت الأسماء المتداولة لتشكيلها نقاشاً مبكراً وسط بعض القوى السياسية، لا سيما بشأن معيار الاستقلالية السياسية ومدى تمثيل اللجنة لمختلف المكونات الوطنية.
ويرى القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي خالد الفحل أن فكرة الحوار السوداني داخل البلاد ليست جديدة، مشيراً إلى أنها طُرحت في مراحل سابقة عبر عدد من المؤتمرات التي عُقدت بولاية البحر الأحمر، وقدمت خلالها مشروعات ورؤى سياسية إلى قيادة الدولة.
وقال الفحل لـ”الكرامة”، إن الطرح الحالي، من وجهة نظره، لا يختلف كثيراً عن المبادرات السابقة سوى في الأسماء والتشكيلات، معتبراً أن المجموعة التي تسربت أسماؤها إلى وسائل الإعلام لا تتمتع جميعها بالاستقلالية السياسية الكاملة، بالنظر إلى ارتباط بعض الشخصيات بكتل وتيارات سياسية.
وأشار في هذا السياق، إلى المحامي نبيل أديب، قائلاً إن وجود شخصيات ذات ارتباطات سياسية قد يثير تساؤلات بشأن حياد اللجنة وقدرتها على التعامل بصورة متوازنة مع مختلف القوى السياسية والمجتمعية،وشدد الفحل على أن الحياد يمثل أحد أهم شروط نجاح اللجنة، وأن المطلوب منها الوقوف على مسافة واحدة من جميع المكونات، من دون عزل أو إقصاء، محذراً من تكرار ما وصفها بتجربة الاتفاق الإطاري، التي قال إنها رفعت شعارات الشمول قبل أن تنتهي إلى حالة من الإقصاء والاستقطاب السياسي.
كما أشار إلى وجود ملاحظات لدى بعض الأطراف بشأن مواقف عدد من أعضاء اللجنة من الحرب ومن شرعية الجيش في الدفاع عن مؤسسات الدولة، مؤكداً أن هذه القضايا ستظل محل نقاش إلى حين ظهور اللجنة بشكل رسمي وطرح رؤيتها للرأي العام،وقال الفحل إن لديهم عدداً من الملاحظات بشأن التشكيل، إلا أنهم ينتظرون الإعلان الرسمي والمؤتمر الصحفي للجنة قبل تكوين موقف نهائي، مضيفاً: «الشيطان يكمن في التفاصيل».
المنهجية قبل الأسماء
وفي اتجاه مختلف نسبياً، يرى رئيس حزب بناة المستقبل الدكتور فتح الرحمن فضيل أن الحكم على اللجنة لا ينبغي أن ينصب بصورة أساسية على أسماء أعضائها، بقدر ما يجب أن يركز على منهجية عملها، وحدود التفويض الممنوح لها، ومدى شمول العملية السياسية التي ستتولى الإعداد لها.
وقال فضيل إن هناك بالفعل تحفّظات على بعض الشخصيات المشاركة، سواء بسبب ارتباط بعضها بكتل سياسية أو نتيجة مواقفها من الحرب، لكنه اعتبر أن تلك المسألة ليست القضية الأساسية في تقييم اللجنة،وأضاف لـ”الكرامة”،أن وجود منهجية واضحة ومحايدة سيكون العامل الأكثر تأثيراً في تحديد فرص نجاح الحوار، مشيراً إلى أن أحد الأسئلة الجوهرية يتمثل في طبيعة التفويض الذي منحته الدولة للجنة.
وتساءل فضيل عما إذا كان التفويض مفتوحاً بصورة تسمح بمناقشة مختلف القضايا والخيارات السياسية، بما في ذلك شكل الحكومة والفترة الانتقالية وترتيبات المرحلة المقبلة، أم أن الحوار سينطلق تحت سقف محدد سلفاً وبنتائج مرسومة مسبقاً.
ويرى رئيس حزب بناة المستقبل أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مدى جدية العملية السياسية، خاصة أن الحوار، إذا دخلته الأطراف وهي مقيدة بنتائج محددة سلفاً، سيفقد جزءاً كبيراً من قيمته.
إشكالية الشمول
وتبرز مسألة شمول الحوار كأحد أكبر الملفات المطروحة أمام اللجنة التحضيرية، في ظل مطالب من قوى سياسية ومجتمعية بضرورة توسيع المشاركة وعدم قصرها على أطراف بعينها.
وقال فضيل إن رئيس مجلس السيادة التقى عدداً من الكتل السياسية، إلا أن هناك قوى أخرى موجودة داخل السودان لم تتم دعوتها، من بينها حزب بناة المستقبل، في وقت جرت فيه دعوة قوى وشخصيات موجودة خارج البلاد.
وأضاف أن معيار اختيار القوى السياسية للمشاركة في الحوار يجب أن يكون واضحاً ومعلناً، وألا يستند إلى درجة تأييد هذه القوى للدولة أو موقفها منها، خصوصاً أن بعض الجهات التي تمت دعوتها لديها مواقف ناقدة للدولة،واعتبر أن الشمول، وفق المعطيات المتاحة حتى الآن، يبدو نسبياً ومحدوداً، حتى وإن ظلت إمكانية توسيع المشاركة قائمة في المراحل المقبلة.
وشدد على أن الحوار، لكي يكون مؤثراً وقادراً على إنتاج توافق سياسي، يجب أن يضم أكبر قدر ممكن من القوى السياسية والمجتمعية المؤثرة،وأعرب فضيل عن أمله في ألا تتحول العملية إلى مجرد مسار لإنتاج تسوية محددة بين أطراف بعينها من الداخل والخارج، قائلاً: «كفانا تسويات، نحن نحتاج إلى حوار حقيقي وليس إلى تسوية جديدة، فقد جربنا التسويات السابقة ورأينا نتائجها».
ووصف نظرته إلى مستقبل الحوار بأنها تتسم بـ«التفاؤل الحذر»، موضحاً أن التجارب السياسية السابقة تفرض التريث وعدم رفع سقف التوقعات قبل اتضاح طبيعة العملية السياسية ومسارها،وأكد أن فرص نجاح الحوار ستظل مرتبطة بصورة مباشرة بمدى شموله للأطراف والأجندة، مضيفاً أن الحوار إذا كان شاملاً وحقيقياً فسيملك فرصاً كبيرة للنجاح، أما إذا افتقد الشمول وجرى وفق سقف وأجندة محددين سلفاً، فإن فرص فشله ستكون كبيرة بصرف النظر عن الشخصيات التي تقف خلفه.
توسيع المشاركة
من جانبه، وضع الخبير الاستراتيجي الدكتور عبد العزيز الزبير باشا شروطاً مختلفة لنجاح أي مبادرة سياسية، في مقدمتها أن تتم تحت مظلة الدولة وبإشراف مؤسساتها السيادية، وأن تنطلق من معايير واضحة تضمن شرعية العملية السياسية واتساع قاعدة المشاركة.
وقال باشا لـ”الكرامة”،إن الأولوية في المرحلة الراهنة ينبغي أن تكون حسم التمرد واستعادة الأمن والاستقرار قبل الدخول في عملية سياسية شاملة، مع ضرورة التمييز، بحسب رأيه، بين القوى السياسية المدنية وبين الجهات التي حملت السلاح ضد الدولة.
وحول اللجنة المعلنة لتهيئة الحوار السوداني–السوداني، رأى باشا أن تشكيلها الحالي، وفق الأسماء المتداولة، لا يعكس التوازن السياسي والاجتماعي المطلوب، بسبب غياب عدد من المكونات الوطنية والمجتمعية،وأشار إلى أهمية إشراك الإدارات الأهلية والطرق الصوفية ومجلس الكنائس والشخصيات الوطنية المستقلة وممثلي النازحين والمتأثرين بالحرب، باعتبار أن الأزمة السودانية تجاوزت في تأثيراتها الأطر الحزبية والسياسية التقليدية، وأصبحت ذات أبعاد اجتماعية وإنسانية ومناطقية واسعة.
وأضاف أن أي لجنة تحضيرية تحتاج إلى تفويض واضح وتمثيل قومي وجغرافي واجتماعي واسع حتى تتمكن من الحصول على ثقة السودانيين، وتتجاوز حالة الاستقطاب التي ظلت تضعف المبادرات السياسية السابقة،وأكد أن المبادرة الوطنية الجادة، من وجهة نظره، ينبغي أن تركز على كيفية إدارة الدولة وإعادة بنائها بعد الحرب، وليس على تقاسم السلطة في وقت لا تزال فيه العمليات العسكرية مستمرة.،واختتم باشا حديثه بالتأكيد أن المعيار الحقيقي لأي مبادرة سياسية هو مدى قدرتها على إنقاذ الدولة والحفاظ على وحدتها وسيادتها ومؤسساتها.






