إسماعيل جبريل تيسو يكتب:إسماعيل الإعيسر.. شاعرٌ يتلمس طريق النور

حدود المنطق..

إسماعيل الإعيسر.. شاعرٌ يتلمس طريق النور..

إسماعيل جبريل تيسو..

استوقفتني كلمات الزميلة محاسن أحمد عبد الله عقب زيارتها للشاعر المرهف إسماعيل الإعيسر في مقر إقامته بالقاهرة، وما نقلته من تفاصيل المعاناة التي يواجهها جراء المرض، فوجدتني أتوقف طويلاً أمام حالة إنسانية لا ينبغي أن تمر علينا مرور الكرام. فالإعيسر، الذي أنهكته الحرب وعانى مشقة الوصول إلى القاهرة، يواجه اليوم امتحاناً جديداً مع المرض والغربة والحاجة الماسة إلى العلاج، بعدما تسببت مشكلات عينيه في ضعف كبير في النظر، وأصبح في حاجة إلى جراحة عاجلة بحسب توصية الأطباء، غير أن ضيق ذات اليد يحول دون إجرائها، ويضع عينيه أمام خطر حقيقي، ورغم أن الرجل يواجه محنته بصبر وصمت وشموخ، وبإيمان عميق بأن الابتلاء جزء من رحلة الإنسان، تبدو الحاجة ماسة إلى يد تمتد إليه قبل أن تتفاقم حالته ويصبح فقدان البصر احتمالاً لا قدر الله.

والإعيسر ليس شاعراً عادياً يمكن أن يمر اسمه في حديث عابر عن مبدعي بلادي، فقد كان واحداً من الذين أسهموا في صناعة الوجدان السوداني بالكلمة الجميلة والقصيدة المرهفة والأغنية التي وجدت طريقها إلى قلوب الناس، ويكفي أن تستمع إلى أغنيتي الراحل محمود عبد العزيز «ظالمني شوف من كم سنة» و«عاش من شافك وين أيامك»، لتحسَّ بمدى عمق وشاعرية الإعيسر، وذات الانطباع يأخذك على جناحي استغراق بديع حين ينداح صوت الفنانة أسرار بابكر بكلمات الإعيسر في أغنية «راحت عليك» أو«ست البنات»، أو أغنية «أحسن زولة» التي تغنى بها الفنان وليد زاكي الدين، وشارك بها في إحدى مهرجانات الأغنية العربية، لتخرج الكلمة السودانية من حدودها المحلية إلى فضاء عربي أوسع، ولم تتوقف حكاية إسماعيل الإعيسر الغنائية عند هذا الحد، فقد كان الراحل محمد وردي يعتزم التغني بقصيدة «تستحقي»، غير أن يد المنون كانت أسرع، فرحل وردي قبل أن ترى القصيدة طريقها إلى صوته، ليظل {فنان أفريقيا الأول} شاهداً آخر على شاعرية رجلٍ كان يكتب من معين إبداعي يستحق أن يُحتفى به ويُصان.

ولعل أكثر ما يوجع في قصة الإعيسر أن الرجل الذي منح السودانيين هذا القدر من الجمال يجد نفسه اليوم عاجزاً عن توفير العلاج الذي يحفظ له عينيه، لقد تحمل الرجل قسوة الحرب، وذاق مرارة النزوح ومشقة الوصول إلى القاهرة، ثم جاءت معاناة المرض والغربة وضيق ذات اليد، لتضيف إلى أوجاعه وجعاً جديداً، ومع ذلك ظل صابراً، متماسكاً، شامخاً، مؤمناً بأن الله يختبر عباده بما يشاء، لكن الصبر لا يعني أن نترك أصحاب الابتلاء وحدهم، والإيمان لا يعفينا من مسؤولية الوقوف إلى جانب إنسان يحتاج إلى العلاج، فالإعيسر اليوم لا يطلب ترفاً ولا يبحث عن امتياز، وإنما يحتاج إلى من يساعده على الاحتفاظ بنعمة البصر، تلك النعمة التي يحتاج إليها الشاعر أكثر من غيره، لأنه يرى بالكلمة قبل العين، ويحوّل ما يراه ويحسه إلى شعر وأغنية وذاكرة.

ومن هنا تأتي المناشدة الصادقة إلى الدولة، ممثلة في مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وقبلهما وزارة الثقافة والإعلام، للتحرك العاجل وإنقاذ عيني الشاعر إسماعيل الإعيسر، وتوفير العلاج والجراحة التي أوصى بها الأطباء قبل أن تضيع فرصة العلاج، كما أتوجه بالنداء إلى الفنانين السودانيين، في الخرطوم، وفي كل بقاع الأرض ممن تغنى بكلمات الإعيسر أو عرف قيمته شاعراً ومبدعاً، لتبني مبادرة عاجلة لعلاجه، وأضعف الإيمان تنظيم حفل خيري يذهب ريعه بالكامل إلى علاج الإعيسر، إنها مناسبة لأن تتحول المحبة إلى موقف، والوفاء إلى فعل، والأغنيات التي أسعدتنا إلى جسر يعيد للشاعر بعض ما منحه للناس طوال سنوات.

وقطعاً لا يساورني أدنى شكّ في أن السودانيين، الذين عرفوا قيمة الكلمة الجميلة وحفظوا أغنيات إسماعيل الإعيسر ورددوها في أفراحهم وذكرياتهم، أن يتأخروا عن نجدة شاعرهم، وربما يكون أجمل مشهد يمكن أن نراه بعد كل هذا الألم أن تلتقي الدولة والفنانون والمجتمع لإنقاذ عيني رجل كتب للسودانيين قصائد وأغنيات بقيت حاضرة في وجدانهم، فلننقذ عيني إسماعيل الإعيسر قبل أن ينطفئ الضوء، فربما تكون يد تمتد إليه اليوم سبباً في أن يرى غداً وطناً أكثر عافية، ويكتب قصيدة جديدة، وتخرج من بين كلماته أغنية أخرى تضيء دروب السودانيين، وحفظ عيون شاعر اليوم قد يعني أن نحفظ للسودان غداً قصيدة لم تُكتب وأغنية لم تولد بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top