بنك الخرطوم أعلن عن مليار دولار لاستيراد السلع الاستراتيجية
البنوك.. دعم الاقتصاد الوطني
توفير النقد الأجنبي..تخفيف الضغط على السوق
التمويل المصرفي يعزّز انسياب السلع ..تقليل تأثير الموازي
د.هيثم فتحي: المبادرة مهمة لضبط الصرف وتعزيز الثقة في الاقتصاد
تقرير– رحمة عبدالمنعم
في توقيت يواجه فيه الاقتصاد السوداني ضغوطاً متزايدة على النقد الأجنبي وتحديات مرتبطة بتمويل الواردات وانسياب السلع، دفع بنك الخرطوم بمبادرة تمويلية معلناً توفير مليار دولار من مصادر خارجية في شكل تمويل دائري مخصص لاستيراد السلع الاستراتيجية، في خطوة ينتظر أن تسهم في دعم حركة الاستيراد وتخفيف جانب من الطلب على الدولار في السوق الموازية.
تجهيز
وأعلنت الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الخرطوم، لمياء ساتي، أن مبلغ مليار دولار أصبح جاهزاً، داعية المستوردين الراغبين في الاستفادة من التمويل إلى استكمال إجراءاتهم، ومؤكدة استعداد البنك لتوفير احتياجاتهم من النقد الأجنبي وفق الضوابط المصرفية المعمول بها.
وتأتي المبادرة في إطار تشجيع بنك السودان المركزي للمصارف على المساهمة في توفير خطوط ائتمان لتمويل استيراد السلع، بما يعزز دور الجهاز المصرفي في تمويل التجارة الخارجية وإعادة جزء أكبر من الطلب على العملات الأجنبية إلى القنوات الرسمية.
ولا تتوقف أهمية المليار دولار عند حجم التمويل وحده، وإنما تمتد إلى أثره المحتمل على حركة السلع وسوق النقد الأجنبي في آن واحد.
فإتاحة الدولار للمستوردين عبر القنوات المصرفية الرسمية تقلل حاجتهم إلى شرائه من السوق الموازية، وهو ما يمكن أن يخفف جزءاً من الطلب التجاري المباشر على العملة الأجنبية ويحد من الضغوط والمضاربات المرتبطة بها.
انسياب السلع
ويتيح تمويل بنك الخرطوم تسريع عمليات استيراد السلع الأساسية والمواد الخام ومدخلات الإنتاج، بما يدعم انسياب السلع إلى الأسواق ويقلل من الاختناقات الناتجة عن نقص التمويل أو صعوبة الحصول على العملات الأجنبية.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل الارتباط الوثيق بين تحركات سعر الصرف وكلفة الاستيراد، إذ تنعكس الزيادات في أسعار العملات الأجنبية على تكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع، ثم تنتقل في نهاية المطاف إلى أسعار السلع للمستهلك.
وبذلك يمكن للمبادرة أن تعمل في مسارين متوازيين، دعم توفر السلع في الأسواق، وتقليص جانب من الطلب على الدولار خارج الجهاز المصرفي.
أدوار سابقة
ولا تمثل المبادرة الحالية أول تدخل لبنك الخرطوم في ملف تمويل السلع والنقد الأجنبي، إذ سبق للبنك أن لعب أدواراً مماثلة خلال فترات اقتصادية شديدة التعقيد.
وبحسب رئيس التنفيذي لمجموعة بنك الخرطوم لمياء ساتي، وفر البنك خلال الشهور الأولى من الحرب أكثر من ملياري دولار لاستيراد السلع الاستراتيجية، في وقت كانت فيه الأسواق تواجه اضطرابات كبيرة في حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
كما سبق لبنك الخرطوم أن أدار، بإشراف بنك السودان المركزي، محفظة السلع الاستراتيجية، التي استهدفت معالجة المشكلات المرتبطة بتمويل واستيراد السلع الحيوية، وعلى رأسها المحروقات، من خلال التنسيق بين البنك المركزي والمصارف والجهات ذات الصلة.
وأكملت المحفظة منذ إنشائها إجراءات مصرفية لمستوردات بلغت قيمتها نحو 272 مليون دولار، وأسهمت في توفير التمويل اللازم للاستيراد وتحسين انسياب السلع والمحروقات.
وجاء إنشاء المحفظة استجابة لطلب بنك السودان المركزي، واستخدامها كإحدى الأدوات المساندة لسياساته في تمويل السلع وإدارة سوق النقد الأجنبي، مع فتح المجال أمام البنوك والمستثمرين للمشاركة فيها.
وتقوم فكرة المحافظ المصرفية على حشد الموارد المالية من عدد من البنوك وتوجيهها خلال فترة زمنية محددة إلى تمويل نشاط اقتصادي أو سلعة بعينها، بما يسمح بتجميع قدرات تمويلية أكبر وتوجيهها إلى القطاعات ذات الأولوية.
خطوة مهمة
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي لـ«الكرامة» إن مبادرة بنك الخرطوم بتوفير مليار دولار لتمويل السلع الاستراتيجية تمثل خطوة مهمة في ظل الجهود الرامية إلى ضبط سوق النقد الأجنبي وتعزيز الثقة في الاقتصاد السوداني.
وأوضح أن المبادرة تعكس قدرة القطاع المصرفي على المساهمة في توفير الموارد اللازمة لدعم القطاعات الإنتاجية والخدمية، وفقاً للخطط الاقتصادية الوطنية.
وأشار فتحي إلى أن الجهاز المصرفي السوداني يمتلك من الإمكانات ما يؤهله للمساهمة في تدبير العملات الأجنبية، مؤكداً أهمية قيام البنوك بتوفير النقد الأجنبي للمستوردين وفق الضوابط المنظمة للعمل المصرفي.
وقال إن إتاحة النقد الأجنبي عبر البنوك تمكّن الشركات والمصانع من استيراد المواد الخام ومستلزمات الإنتاج والسلع الأساسية، بما يساعد على دعم النشاط الصناعي والتجاري وتحسين حركة الأسواق.
ويرى فتحي أن دخول بنك الخرطوم بهذا الحجم من التمويل يمكن أن يسهم في زيادة المعروض من العملات الأجنبية وتخفيف الضغوط على سوق الصرف، خاصة إذا أدى إلى تقليل حاجة المستوردين إلى التوجه نحو السوق الموازية للحصول على الدولار.
دور مطلوب
وتفتح المبادرة الباب أمام دور أوسع مطلوب من البنوك التجارية خلال المرحلة الحالية، في ظل حاجة الاقتصاد إلى موارد كبيرة لتمويل التجارة الخارجية وإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وأكد الخبير الإقتصادي الدكتور هيثم فتحي أن المجال مفتوح أمام مختلف المصارف السودانية للمساهمة في تمويل التجارة الخارجية، باعتبار أن خدمة الاقتصاد القومي تمثل أحد الأدوار الأساسية للجهاز المصرفي.
وأوضح أن البنوك ذات المراكز المالية القوية تظل أكثر قدرة على الدخول بصورة مؤثرة في هذا المجال، لما تمتلكه من إمكانات وتمويلات تسمح لها بتغطية احتياجات أكبر من النقد الأجنبي.
ويشير فتحي إلى أن تمويل التجارة الخارجية يمثل كذلك نشاطاً جاذباً للبنوك من الناحية التجارية، لارتفاع ربحيته وقصر دورته الائتمانية مقارنة بتمويل المشروعات طويلة الأجل، ما يعني إمكانية الجمع بين تحقيق العائد التجاري وأداء دور اقتصادي في الوقت نفسه.
نجاح المبادرة
غير أن توفير التمويل، بحسب فتحي، لا يكفي وحده لتحقيق النتائج المطلوبة، ما لم تصاحبه آليات واضحة تضمن وصول النقد الأجنبي إلى المستوردين الجادين والقطاعات ذات الأولوية.
وشدد فتحي على ضرورة توجيه الموارد الدولارية إلى السلع الأساسية والمواد الخام ومدخلات الإنتاج، مع الحد من توجيهها إلى أنشطة غير منتجة تستنزف النقد الأجنبي دون أن تضيف قدرة حقيقية للاقتصاد على الإنتاج أو التصدير.
ويرى أن نجاح المبادرة يرتبط كذلك بسرعة إنجاز الإجراءات المصرفية وكفاءة دورة التمويل، بما يضمن وصول الموارد إلى القطاعات المستهدفة في الوقت المناسب وانعكاسها على الأسواق.
وحذر فتحي من الاعتماد على التمويلات قصيرة الأجل باعتبارها حلاً دائماً لمشكلة النقد الأجنبي، مشيراً إلى أن الأزمة ترتبط باختلالات أوسع تتعلق بالإنتاج والصادرات والواردات والاستثمار.
وأكد أن أي تحسن في سعر الصرف سيظل عرضة للتراجع ما لم يستند إلى إصلاحات اقتصادية أوسع تعمل على زيادة قدرة الاقتصاد على توليد موارد حقيقية ومستدامة من العملات الأجنبية.
وشدد على أهمية تبني سياسة نقدية متوازنة، وتحسين هيكل الاحتياطيات الأجنبية، والعمل على تعزيز صافي الأصول الأجنبية في الجهاز المصرفي.
كما دعا إلى تطوير آليات استقطاب مدخرات وتحويلات السودانيين العاملين بالخارج، وتحسين البيئة الاستثمارية لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلى جانب زيادة الإنتاجية والصادرات وتقليص الفجوة بينها وبين الواردات.
اختبار للدور المصرفي
وتضع مبادرة بنك الخرطوم الجهاز المصرفي أمام اختبار جديد في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى مؤسسات مصرفية قادرة على تعبئة الموارد الخارجية وتوجيهها نحو القطاعات الحيوية.
فالأثر الحقيقي للمليار دولار لن يتوقف على حجم التمويل المعلن، وإنما على مدى سرعة وصوله إلى المستوردين، وطبيعة السلع والقطاعات التي سيغطيها، وقدرته على تقليص الطلب على العملات الأجنبية خارج الجهاز المصرفي.
كما أن نجاح التجربة قد يشجع بقية المصارف على إطلاق مبادرات مماثلة، بما يحول تمويل التجارة الخارجية من تدخلات محدودة إلى مسار مصرفي أوسع يسهم في دعم حركة الإنتاج والتجارة واستقرار الأسواق.
وفي اقتصاد يواجه ضغوطاً كبيرة على النقد الأجنبي، يمكن لمثل هذه التمويلات أن توفر مساحة مهمة لتخفيف الطلب على الدولار ودعم انسياب السلع، غير أن استدامة الأثر تظل مرتبطة بقدرة الاقتصاد السوداني على زيادة الإنتاج والصادرات وجذب التحويلات والاستثمارات، بما يحول الموارد الدولارية من تمويلات ظرفية إلى تدفقات مستدامة تدعم استقرار الاقتصاد وسوق الصرف.






