من داخل المصفاة
كتب : يوسف عبدالمنان
ثلاثة أسماء ومصفاة واحدة
لماذا تكتمت السلطات على المرتزقة الأجانب؟
المليشيا أحرقت مصفاة الجيلي قبل الانسحاب
خمس قرى في شمال بحري نزح سكانها بسبب مليشيا آل دقلو
65 ألف برميل نفط تدفقت بعد استهداف الخزانات
المليشيا كانت تُسرق 10 تناكر وقود من المصفاة يومياً
الجيش يدفن قتلى المليشيا وفق أخلاقياته العسكرية
خزان جبل أولياء منفذ لهروب الآلاف من الجنجويد يومياً
الجنجويد استخدموا قاذفات اللهب لتدمير المصفاة
########
غادرت بنا عربة الزميل أحمد فضل مركز الشهيد مكاوي للإعلام العسكري بشارع الوادي في أم درمان، بعد أن اتجهت سيارات بعض الزملاء إلى القيادة العامة. اخترنا نحن، ثلة من الإعلاميين، زيارة المصفاة بتنظيم من إدارة الإعلام العسكري التي نظمت الرحلة للإعلاميين القادمين من بورتسودان ومصر.
وقد عبر عن ذلك ضابط برتبة عقيد بلهجة حادة بأن هذه الرحلة أولوية للقادمين من بورتسودان والقاهرة، ومن ثم إذا وجدت مقاعد يمكن أن يذهب معهم أمثالنا من الإعلاميين والصحافيين المحليين في أم درمان.
هؤلاء لم يجدوا الاحترام والتقدير إلا من الفريق ياسر العطا الذي ظل يعترف بدورهم. لكننا لا ننتظر أن يجود علينا أحد بحق من حقوقنا، ولا يملك شخص مهما علا مقامه أن يحتقر ويسفه دورنا في دعم جيشنا وأمننا وشرطتنا.
ركبت مع الزملاء في قناة الجزيرة، وأخذت السيارة طريقها إلى المصفاة لمشاهدة ما حدث والإصغاء إلى روايات من حرروها وجعلوا الفرح يتمدد بطول البلاد وعرضها.
ثلاثة أسماء ومصفاة واحدة
من مظاهر اختلافات السودانيين العميقة فشلهم حتى في الاتفاق على اسم أكبر مصفاة لتكرير النفط في البلاد، والتي بلغت تكلفة إنشائها نحو مائة وخمسين مليار يوان صيني. المصفاة، رسمياً في الأوراق الحكومية والتعاملات الخارجية، هي “مصفاة الخرطوم”. ولكن بعد احتجاجات أهالي المنطقة أطلق عليها اسم “مصفاة الجيلي”.
في سنوات القحط التي أعقبت سقوط الإنقاذ، خرجت منطقة “قُرِّي”، التي تقع المصفاة في أراضيها، ورفعت أصوات الاحتجاج عالياً. وحتى يكسب حميدتي أرضاً وحواكير في منطقة سكانها الأوائل هم العبدلاب، وبعد اعتصام سكان المنطقة وإغلاق المصفاة لعدة أيام، تم تغيير اسم المصفاة إلى “قُرِّي”. لكن في الأوراق الرسمية ظلت “مصفاة الخرطوم” هي الاسم المعتمد.
لماذا جاء الدعم السريع إلى المصفاة؟ ومتى تمركز هناك؟
بطبيعة الحال، ظل الدعم السريع يتمدد في المناطق الاستراتيجية بالخرطوم منذ أن جعل البشير منه القوة التي ظن أنها ستحميه من نوائب الزمان وغدر الرجال، قبل أن يغدر به حميدتي ويبيعه في سوق الإمارات.
بسقوط البشير وتعاظم دور حميدتي الأمني والسياسي والاجتماعي في البلاد، خطط الرجل للإمساك بعنق المرافق الاستراتيجية ومحاولة وراثة جهاز الأمن والمخابرات بعد نجاحه في حل هيئة العمليات.
مثلما وضع حميدتي أقدامه على معسكر “سركاب” في أم درمان ليضع مطار وادي سيدنا تحت بصره ومرمى نيرانه، احتضن حميدتي أكبر معسكر لقوة ضاربة في الشرطة (الاحتياطي المركزي) من خلال تمركزه في معسكر “طيبة”.
وجاء حميدتي بقواته لمعسكر القوات الخاصة بمنطقة قُرِّي ليضع التصنيع الحربي بين يديه. لذلك، مثلما كان القصر محاطاً بجنود المليشيا والإذاعة والتلفزيون بيده، لم يجهد قائد المليشيا نفسه كثيراً وهو يحتل المصفاة.
أجانب وعملاء
تُعتبر منطقة الجيلي وقلعة القوات الخاصة في الجبال من المقرات التي استخدمتها مليشيا آل دقلو في خنق العاصمة الخرطوم. ونظراً للموقع الحصين بين الجبال وتأثيره الاستراتيجي على أمن الخرطوم، ونهر النيل، والشمالية، والبحر الأحمر، وضعت المليشيا ثقلها العسكري في الجيلي وقُرِّي.
مددت وجودها في مناطق “واسي”، وهي خمس قرى يبلغ تعدادها نحو خمسة آلاف مواطن، وهي مسقط رأس الإعلامي الكبير عادل سنادة.
بسطت المليشيا يدها الباطشة لتضرب استقرار الأهالي البسطاء وترغمهم على النزوح قسراً من أرض أجدادهم، كما أرغمت سكان منطقة “السقاي”، التي تُعتبر من مناطق نفوذ آل المهدي حيث حدائقهم الغناء.
المنطقة شهدت وجود خبراء عسكريين من جنسيات مختلفة مثل الليبيين، الإماراتيين، التشاديين، والروس. وقال مصدر من العاملين في المصفاة إنهم ظلوا يتعايشون مع المليشيا، ولكنهم يبعدونهم عن الأجانب المتواجدين في مقر التصنيع الحربي الذين لا يخرجون إلا في حراسات مشددة.
تتكتم السلطات عن مصيرهم، ولا يُعرف ما إذا قُتلوا في المواجهات العسكرية التي اندلعت منذ أسبوعين، أم تم تهريبهم تحت جنح الظلام إلى شرق النيل ومن هناك إلى دارفور عبر خزان جبل أولياء، الذي تركته السلطات مفتوحاً. يومياً يهرب الآلاف عبره إلى النيل الأبيض وكردفان.
كيف اشتعلت النار في المصفاة؟
الرواية الأقرب للواقع جاءت على لسان أحد العاملين في المصفاة، وهي أكثر تماسكاً من روايات عديدة باعتباره شاهداً على ما حدث.
يقول الشاهد إن المصفاة كانت بها كميات مهولة من البنزين والجازولين والغاز. منذ نشوب الحرب، بدأت المليشيا في سرقة ونهب الوقود، بمعاونة بعض العناصر داخل المصفاة ممن أرشدوهم إلى كيفية تفريغ المخزون في التناكر الكبيرة. يومياً كانت تُسرق نحو عشرة تناكر من الوقود، والقوات المسلحة تصطاد التناكر التي تسير عبر شارعي التحدي والطريق الدائري.
في سبتمبر الماضي، نفد البنزين وتبقى الجازولين، الذي لم ينفد إلا الشهر قبل الماضي. ومع بداية الحصار الذي فرضته القوات المسلحة على المنطقة من جهتي الجنوب والشمال، بدأ الضباط يتسللون خلسة، ويتركون جنودهم لمواجهة جيش لا قِبَل لهم به.
يوم الأحد الماضي، أحكمت القوات المسلحة سيطرتها على كل الطرق المؤدية إلى المصفاة. فكرت المليشيا في حرق المصفاة والاستفادة من ظلال الحريق للهروب إلى شرق النيل.
المصفاة تتكون من وحدات مثل الفرز والتكرير وخزانات الخام، التي تم ضربها بمدفع كورنيت أمريكي. تدفق الخام الأسود على الأرض، وتقدر سعة الخزان الذي تم ضربه بنحو 65 ألف برميل. عاد أفراد المليشيا وأشعلوا النار في الخام باستخدام قاذفة لهب، ولا تزال النيران مشتعلة حتى الآن، دون وجود عربات إطفاء لهذه الحرائق.
استفادت المليشيا من انبعاث الدخان الكثيف وتسللت إلى شرق النيل، مخلفة وراءها القتلى والجرحى. ومع اقتحام القوات الخاصة مقرات المليشيا، خلعوا الكاكي ولبسوا البلدي، وهام بعضهم في القرى، وتاه آخرون في الأرض شبه الصحراوية شرق المصفاة.
تناثرت جثث الجنجويد بين الطرقات، وبدأ الجنود في دفنها وفق أخلاقيات هذا الجيش العملاق، الذي أثبت أنه لا يُقهر بالسلاح.
ونواصل…






