المليشيا اجبرتهم على مغادرة المنازل..
مواطنو “التكينة ود عثمان” .. مآسي القتل والتعذيب
الشهيد علي فضل الله يواجه الجنجويد بعصاه..
اعتقالات قسرية في القرية وتنكيل بالمواطنين..
سكان التكينة عانوا من الاعتقالات والتهجير القسري
زنازين الجنجويد شاهدة على وحشية التعذيب ..
تعذيب حتى الموت في معسكرات (ال دقلو )قرب المصفاة
معتقل: “دخلونا الزنازين ودقونا بالخراطيش بلا سبب”.
تقرير: ساجدة دفع الله
سجل المليشيا القاتلة الأسود، الممتلئ بالإرهاب والقتل والتعذيب والاغتصاب، طال أعداداً كبيرة من السودانيين، خصوصاً في المناطق التي اعتدوا عليها، مخالفين بذلك الشريعة الإسلامية وكل الشرائع، إضافة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، بل وحتى نخوة السودانيين، مما يعني أنهم ليسوا سودانيين.،كانت منطقة التكينة ودعثمان، الواقعة غرب مصفاة الجيلي بحوالي خمسة كيلو مترات، إحدى المناطق التي شهدت جميع أصناف الجرائم والانتهاكات. “الكرامة” تسرد فصول هذه المأساة والوحشية التي قامت بها المليشيا.
بحرا من الدماء
ومن فظائع الأعمال الوحشية التي قامت بها المليشيا في منطقة التكينة ودعثمان غرب مصفاة الجيلي، هناك العديد من الحكايات المؤلمة والقصص الحزينة، إضافة إلى المواقف البطولية. أبرزها قصة استشهاد المواطن علي فضل الله الشهير بـ”هيجة”، التي وقعت حوالي الساعة التاسعة مساء، حيث كان الظلام دامساً بسبب انقطاع الكهرباء لأكثر من عام في المنطقة، وحظر التجوال المفروض من قبل المليشيا، الذي جعل كل مواطن معتقلاً في منزله. سمع الجميع صوت إطلاق نار كثيف، حيث دخل أفراد المليشيا منزل إيهاب عبدالله، جار الشهيد هيجة، ووصل قبله شقيقه الأصغر خالد فضل الله الشهير بـ”قطي”،عندما وصل الشهيد هيجة، وجد أخاه قطي ملقى على الأرض في بركة من الدماء، مصاباً بطلقين في صدره، ممسكاً بعصاته في يده. تأثر هيجة بالمشهد واندفع للاشتباك مع المليشيا، التي كانت مسلحة بكل أنواع الأسلحة، رد المليشيا كان عنيفاً، إذ أطلقوا عليه أربعة طلقات أصابته في القلب ليرديه شهيداً في الحال، ليصبح ذلك مشهداً مروعاً من العنف والإرهاب. تحولت التكينة في تلك الليلة إلى مسرح لإطلاق نار من جميع الاتجاهات، حيث كانت المليشيا تسيطر على المنطقة تماماً. لم يتمكن السكان من الخروج لمعرفة ما يحدث، سوى أبناء الشهيد فيصل “شيماء وروعة، ومحمد الشبير، والجار الشاب التقي دفع الله”، الذين وجدوا أعمامهم في بحر من الدماء. لم يتمكنوا من دفن الشهيد هيجة حتى الصباح بسبب حظر التجوال.
ثكنات عسكرية
توالت المحن والمصائب على السكان في المنطقة، حيث تم اعتقال المواطن محمد حيدر، الذي لم يتجاوز عمره الثلاثين عاماً، في منتصف الليل وسط أسرته، دون أي سبب.تم ترحيله إلى معسكر الدعم السريع بالمصفاة، حيث مكث فيه قرابة العام، تعرض خلالها لكل أصناف العذاب إلى أن استشهد ودفن هناك.
طالت الوحشية الشهيد عبد الحليم سليمان، أب لأربعة أطفال، حيث تم تعذيبه داخل التكينة بالضرب المبرح، ثم رميه في الطريق العام، حتى استشهد.
ولم تكتفِ المليشيا بذلك، بل عملت على تضييق الخناق على المواطنين، وأجبرتهم على مغادرة منازلهم واستخدامها كثكنات عسكرية. كما أنشأت نقاط ارتكاز على النيل من الجهة الغربية لحصارهم ومنعهم من عبور النيل عبر جزيرة أسلانج والسروراب. ورغم ذلك، نزح معظم المواطنين، في ظل أنواع الذل والإهانة، ونهب أموالهم وممتلكاتهم، حتى هواتفهم. كما اعتقلت المليشيا عدداً من أبناء المنطقة، منهم (عمر مأمون، يوسف عبد المنعم، العوض شيخ إدريس، محمد أبو عاقلة، محمد عبد المجيد، حسب الرسول الخليفة النور، حسن وحسين عبد الحميد، عواد عبد المنعم، ياسر الجسر، سندوسامي الحاج، ماهر إسماعيل).
زنازين العذاب
ويروي المعتقل حسب الرسول النور، الذي تم تحريره بعد تحرير مصفاة الجيلي وطرد المليشيا منها، قائلاً لـ”الكرامة”: “كان تعامل الجنجويد في المعتقل سيئاً للغاية. تم إدخالنا الزنازين بحجة أن هناك هروباً من المعتقلين، وكان الطعام عبارة عن مكرونة مع الملح، وأحياناً نمر ستة أو سبعة أيام بدون طعام أو ماء. كان الوضع سيئاً للغاية، لدرجة أننا لم نكن قادرين على الوقوف بسبب الجوع والعذاب. كنا نسمع أصوات الذخيرة من كل الاتجاهات. تم اعتقالي بدون أي ذنب، ولكن لحظة التحرير كانت مفاجأة سارة لنا. عندما رأينا أفراد القوات المسلحة داخل المعتقل، علمنا أننا سوف نرحل إلى مستشفى شندي للاطمئنان على صحتنا، وبدأنا بالتواصل مع أسرنا ونحن في كامل حريتنا، والتحية للقوات المسلحة.”
لم يسلم التوأم حسن وحسين عبد الحميد من الأسر. يروي حسين لـ”الكرامة” معاناته في معتقلات الدعم السريع، حيث مكث فيها قرابة العام ونصف، من 11 سبتمبر 2023 حتى 25 يناير 2025، بعد تحرير مصفاة الجيلي. يقول: “شاهدنا جميع أنواع العذاب في المعتقل، وكان الناس يموتون أمامنا من شدة التعذيب والجوع والعطش وسوء المعاملة. كنا نظن أننا سنموت، ولكن الحمد لله نجونا. لم نكن نصدق أنه تم تحرير المصفاة، وعندما جاءت البصات، ركبنا واتجهنا إلى شندي. نطالب بالقبض على المتعاونين، لأنهم سبب كل المصائب التي حدثت في المنطقة.”
ذنبي الوحيد
وهناك فصل من فصول التعذيب طال المواطن عباس حسب الرسول، الذي كان واقفاً أمام منزله في التكينة عندما سمع أصوات المدافع من جميع الاتجاهات. الذنب الوحيد الذي ارتكبه كان وقوفه أمام منزله في تلك اللحظات. اقترب منه أحد أفراد المليشيا وأطلق عليه النار، فأصيب في رجله اليسرى، تاركاً دمه يسيل. تم إسعافه إلى مستشفى المصفاة ومن ثم إلى مدني، حيث مكث هناك ثلاثة أشهر وخضع لثلاث عمليات. عاد إلى التكينة، لكنه لم يتعافَ تماماً، وعُولج في مصر لمدة عام وما يزال رهن العلاج.






