منظمة الهجرة وصفت الأوضاع بأنها “تفوق التصور”..
الخرطوم المحررة.. دمار شامل ومدينة تنشد الحياة
عامان من الخراب.. والعاصمة المنكوبة تبحث عن فرصة للنجاة
منظمة الهجرة: الخرطوم تعيش وضعاً كارثياً بعد عامين من الحرب
الصحة والتعليم والصناعة.. قطاعات حيوية سحقتها أقدام المليشيا
الجنجويد نهبوا البنوك وحرقوها وحولوها إلى ثكنات عسكرية ..
تدمير محطات الكهرباء والكباري ومنازل المواطنين…
القصر والمتاحف الوطنية والمطار الدولي في مرمى التخريب..
الأسواق والفنادق والأبراج .. الخرطوم الاقتصادية تتحول إلى ركام
“الكرامة” وثّقت مبكراً في تقاريرها التدمير الممنهج الذي طال الخرطوم
عودة 400 ألف نازح إلى منازل مدمرة بلا خدمات
تقرير : رحمة عبدالمنعم
لم تكن العاصمة الخرطوم بحاجة إلى وصف آخر يُضاف إلى مفردات الحطام والركام، فالمشاهد القادمة من وسط الخرطوم، بحري، وأم درمان تكفي لترسم صورة مأساوية لمدينة تئن تحت وطأة الدمار. دمار لم يكن بفعل المعارك وحدها، بل كان ثمرة نهج منهجي اعتمدته مليشيا الدعم السريع طوال فترة سيطرتها على العاصمة، فحوّلتها إلى ما يشبه الأرض المحروقة، دون أن تُبقي على مرفقٍ أو مؤسسةٍ إلا وتركته شاهداً على التخريب والنهب. وبعد عامين من اندلاع الحرب، ومع تقدم الجيش واستعادته السيطرة على العاصمة، بدأت تتكشف فصول الكارثة التي عاشتها الخرطوم، حيث بدت مناطق مثل وسط الخرطوم وبحري كأنها خرجت من قلب زلزال أو ضربتها حرب عالمية.
الهجرة الدولية
وصفت المنظمة الدولية للهجرة الأوضاع في الخرطوم بأنها “تفوق التصور”، مؤكدة أن العاصمة السودانية تعيش وضعاً كارثياً بكل المقاييس، بعد زيارات ميدانية شملت مواقع ظلت خارج نطاق الوصول طيلة فترة الحرب. وقال محمد رفعت، رئيس بعثة المنظمة في السودان، خلال مؤتمر صحفي عقده في جنيف امس الاول ، إنه صُدم من حجم الدمار الذي رآه في العاصمة وضواحيها، مضيفاً: “لقد عملت في ليبيا واليمن ومناطق صراع عديدة، لكن ما رأيته في الخرطوم وبحري غير مسبوق. تم تدمير كل البنية التحتية التي تضمن استمرار الحياة”.
وأكد رفعت أن محطات الكهرباء نُهبت بالكامل، وأنابيب المياه جرى تدميرها، كما تعرضت جميع المنشآت الأساسية لانهيار شبه تام. وأضاف أن محدودية الوصول الإنساني ونقص التمويل تسببا في معاناة إنسانية هائلة، لا سيما للنساء، مشيرًا إلى أن السودان يواجه أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، مع أكثر من 11 مليون نازح.
وأوضح رفعت أن خطة استجابة المنظمة الدولية للهجرة تسعى للحصول على 250 مليون دولار لمساعدة 1.7 مليون شخص، إلا أن التمويل المتوفر حتى يناير الماضي لم يتجاوز 9% فقط. وأشار إلى أن نحو 400 ألف نازح عادوا إلى الخرطوم، لكنهم وجدوا منازل مدمرة، وخدمات شبه معدومة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود التعافي.
تدمير ممنهج
بعد أن استعادت القوات المسلحة سيطرتها الكاملة على العاصمة الخرطوم، بدأت ملامح الكارثة تتكشف على نحو صادم، حيث أظهرت المعاينات الميدانية حجم التدمير المنهجي الذي طال مختلف مفاصل الحياة في المدينة. فالقطاعات الحيوية، وعلى رأسها الصحة والتعليم والصناعة، تحوّلت إلى رماد تحت أقدام المليشيا التي استخدمت المستشفيات كمخازن للسلاح وثكنات عسكرية، كما في حالتي مستشفيي الزيتونة وإمبريال. في المقابل، تعرضت المدارس والجامعات إلى التخريب والنهب والتدمير، بينما نُهبت معامل ومكتبات ودُمرت البنية الأساسية التعليمية. أما المصانع فقد تحوّلت إلى هياكل محترقة بعد أن جرى نهب معداتها وتفكيك خطوط إنتاجها، لتُصاب العاصمة بشلل صناعي.
أما المؤسسات السيادية، بما في ذلك القصر الجمهوري ومقار الوزارات والمطار الدولي، فقد نالها القسط الأكبر من التخريب والاستباحة، إذ جرى استهدافها بشكل مباشر. كما لم تسلم المتاحف الوطنية والمقار الثقافية من النهب، حيث سُرقت مقتنيات أثرية نادرة ودمّرت معالم من التراث السوداني الذي يعود لآلاف السنين. وامتد التخريب إلى القطاع المصرفي، إذ تم نهب وتدمير مقار البنوك، من بينها بنك السودان المركزي، وبنك فيصل الإسلامي، وبنك أم درمان الوطني، وبنك النيل، والبنك الزراعي، حيث حُرقت مقارها، وسُرقت خزائنها، وحُولت إلى قواعد عسكرية.
مدينة أشباح
وفي الجانب التجاري والاستثماري، طالت يد التخريب الأسواق الكبرى والمرافق التجارية الحيوية، حيث تحوّل السوق العربي، الذي كان القلب الاقتصادي للعاصمة، إلى منطقة أشباح تتناثر فيها الآليات المحروقة والمخلفات الحربية. وكذلك أسواق (الشعبي، أبو حمامة، وغيرها) التي تعرضت لنهب كامل خلال الأيام الأولى من اندلاع الحرب. كما شهدت الخرطوم تدميراً واسعاً للفنادق الكبرى والأبراج الاستثمارية الحديثة، مثل برج النيل للبترول، وفندق كورال، وفندق برج الفاتح، وفندق المريديان، وأبراج بيلوس، والتي استخدمتها المليشيا لاحقًا كنقاط قنص ومنصات لإطلاق القذائف على مواقع الجيش. كما تعرضت الكباري ومحطات الكهرباء للنهب والتفجير، مما تسبب في انقطاع دائم للخدمات الأساسية.
وتعرّضت كذلك المؤسسات الإعلامية والدينية والخدمية لحملة تدمير واسعة وممنهجة من قبل مليشيا الدعم السريع، حيث استُهدفت دور الصحف وقنوات التلفزة الفضائية، بما في ذلك مقر وكالة السودان للأنباء (سونا)، التي تم نهبها وتدميرها جزئياً ،ولم تسلم دور العبادة من العدوان، إذ تم تدمير مسجد الشهيد الشهير المطل على شارع النيل، والذي يُعد من أبرز معالم العاصمة الدينية والوطنية، كما طال التخريب مقر شركة الخطوط الجوية السودانية (سودانير) في منطقة المشتل، بالإضافة إلى إحراق وتخريب عدد من مقار الشركات الخاصة والحكومية، من بينها أبراج شركة الموارد المعدنية جنوب الخرطوم، في مشهد يعكس رغبة ممنهجة في القضاء على مقومات الدولة ومؤسساتها الإعلامية والدينية والاقتصادية.
وكانت صحيفة “الكرامة” قد وثقت في وقت سابق هذا التدمير الممنهج الذي طال كافة القطاعات الحيوية في الخرطوم، مؤكدة أن المليشيا تعمّدت تحويل المدينة إلى ساحة خراب، طالت حتى منازل المواطنين، وشققهم، ومرافقهم الخاصة.
مشروع تدميري
وقال د. الطيب عبد الرحمن، الخبير في قضايا الإعمار والتخطيط الحضري، إن ما كشفته المنظمة الدولية للهجرة يتوافق تماماً مع الحقائق التي وثقتها تقارير محلية مستقلة حول حجم الدمار الذي طال الخرطوم وخلفته مليشيا الدعم السريع.
وأوضح عبد الرحمن لـ”الكرامة” أن ما رأيناه لا يشير إلى مجرد آثار جانبية لحرب مدن، بل إلى عملية تدمير ممنهجة استهدفت مقومات الدولة السودانية، بدءًا من المؤسسات السيادية والمرافق الحيوية، وصولاً إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية.
وأضاف: “حين تُنهب المستشفيات وتُستخدم لقصف الأحياء، وتُحرق الأسواق ويُقصف المطار وتُنهب البنوك ومقار الوزارات، فهذا ليس مجرد تخريب، بل مشروع تدميري كامل الأركان هدفه القضاء على الدولة.” ودعا عبد الرحمن المجتمع الدولي إلى أخذ هذه الشهادات بجدية أكبر، والتعامل مع ما حدث في الخرطوم كجريمة ممنهجة ضد مدينة بأكملها وسكانها، وليست مجرد تبعات تمرد مسلح.






