السودان لن يُرسم في لندن… ولن يُدار من أبو ظبي! مؤتمر بريطانيا .. خنجر دولي في خاصرة السيادة السودانية (1)

السودان لن يُرسم في لندن… ولن يُدار من أبو ظبي!

مؤتمر بريطانيا .. خنجر دولي في خاصرة السيادة السودانية (1)

هذه ليست مجرد مهزلة دبلوماسية، بل انحدار أخلاقي مدوٍّ..

ما فعلته الإمارات في مؤتمر لندن هو تكرار لنهجها في اليمن، ليبيا، والصومال..

كينيا فتحت أبوابها لموالين للمليشيا وروّجت لهم كممثلين شرعيين عن السودان..

“تقرير مسرّب يثير مخاوف جديدة بشأن دور الإمارات في حرب السودان”

بقلم : صباح المكي
بينما كانت الأعين موجهة نحو لاهاي، حيث وقف السودان أمام محكمة العدل الدولية، لا كمتهم اومتسول، بل كصاحب قضية، صوته مرفوع، وأدلته صارخة، وأحقيته ثابتة في التاريخ والجغرافيا والقانون… كان هناك من يجهّز لمؤامرة أخرى تُطبخ في عواصم الدول المتواطئة. ما لبثت أن هدأت أصداء الجلسات القانونية حتى ظهر مؤتمر لندن، لا كمنبر لإغاثة شعب منكوب، ولا كخطوة نحو وقف نزيف الدم، بل كغرفة عمليات دبلوماسية لإعادة هندسة مستقبل السودان خارج إرادة أبنائه، وتحت سطوة من شاركوا في إحراق ترابه وتمزيق مجتمعه.
أُعلن عن المؤتمر تحت غطاء “دعم السودان إنسانيًا”، واستضافته الحكومة البريطانية بالتعاون مع فرنسا، ألمانيا والأمم المتحدة، بمشاركة من الإمارات، النرويج، والولايات المتحدة، إضافة إلى مؤسسات تمويل دولية ومنظمات إغاثة.
ورغم ما رُوّج له، لم تُدعَ الحكومة السودانية الرسمية بل فُسح المجال لوجوه مُسوّقة خارجيًا، غير منتخبة، لم تُشارك في معركة الصمود، بل وقفت دائمًا في صف المليشيا والممولين.
قُدّمت الإمارات، المتهمة رسميًا أمام محكمة العدل الدولية بتمويل وتسليح المليشيا، كشريك إنساني، وجلست إلى جانب كينيا وتشاد، رغم مسؤولياتهم الموثقة في دعم الحرب والعبث بالسيادة. بينما لا تزال دماء الأبرياء في الجنينة والفاشر تنزف، جلس المجرمون على المنصة، وغاب أصحاب الحق.
هذه ليست مجرد مهزلة دبلوماسية، بل انحدار أخلاقي مدوٍّ ما يحدث ليس تجاهلًا، بل تزييف ممنهج للسردية، وتدوير للجناة، واستبعاد متعمّد للدولة الوطنية عبر مسارات مدنية مصطنعة، تُدار من غرف التمويل والسفارات، وتُلبّس شعارات الديمقراطية والإنسانية زورًا.
ما فعلته الإمارات في مؤتمر لندن هو تكرار لنهجها في اليمن، ليبيا، والصومال: في العلن تُقدّم المساعدات المصوّرة، وفي السر تدعم الانقلابات، وتقسّم الدول، وتبني المليشيات مساعداتها ليست إنسانية، بل غسيل سياسي لجرائم لا يمكن تبريرها. لم تدحض الإمارات الأدلة التي قدّمها السودان، بل اختارت الصمت، ثم ظهرت لتُكافأ على صمتها.
كينيا فتحت أبوابها لمدنيين موالين للمليشيا وروّجت لهم كممثلين شرعيين عن السودان. وتشاد، التي تحوّلت إلى ممر للأسلحة والمرتزقة، جاءت في ثوب “راعية للسلام”. هكذا يُفرض على السودان مسار مفبرك، مكتوب بلغة الابتزاز، ومدعوم بالمساعدات المشروطة.
فرنسا وألمانيا لم تموّلا الحرب مباشرة، لكنهما منحتا غطاءً سياسيًا للمليشيا، وروّجتا لمسار “مدني” مشوّه، ساوى بين الدولة والميليشيا، وغضّ الطرف عن ضحايا المجازر. صمتهما كان تواطؤًا، ومشاركتهما كانت تسويقاً لإزاحة مؤسسات شرعية واستبدالها بواجهات مصنّعة في الخارج.
حين اختارت الأمم المتحدة أن تكون المملكة المتحدة “حاملة القلم” لملف السودان في مجلس الأمن، كان يُفترض أن يكون ذلك اعترافًا بثقلها الدبلوماسي ومسؤوليتها الأخلاقية، ودورها في الدفاع عن المبادئ الدولية، وعلى رأسها العدالة، والمساءلة، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. أن تأتي الخيانة من دولة مثل الإمارات، فذلك لم يعُد يثير الدهشة لدى من قرأ جيدًا سجلها الأسود في تمويل الحروب، وتسليح المليشيات، وتفكيك الدول، وتحويل المال السياسي إلى أداة قذرة لإعادة رسم خرائط النفوذ في الإقليم. لكن ما فعلته بريطانيا مؤخرًا ليس مجرد إخلال بتلك المسؤوليات، بل انحدار أخلاقي وسياسي جعلها تنتقل من موقع الضامن إلى موقع المتورط، ومن راعية للسلام إلى متواطئة في صناعة الكارثة.
بريطانيا لم تكن فقط صامتة أمام جرائم الإبادة الجماعية التي وثّقها السودان في لاهاي ضد مليشيا الدعم السريع، بل ذهبت أبعد من ذلك: مارست ضغطًا مباشرًا على دبلوماسيين أفارقة، بناءً على ما كشفته ففي تقرير نشرته صحيفة The Guardian بعنوان:“UK ‘tried to suppress criticism’ of alleged UAE role in arming Sudan’s RSF militia”
)المملكة المتحدة “حاولت قمع الانتقادات” بشأن الدور المزعوم للإمارات في تسليح ميليشيا الدعم السريع في السودان( فقد سعت المملكة المتحدة إلى قمع الانتقادات التي تناولت الدور المزعوم للإمارات في تسليح مليشيا الدعم السريع، أو حتى مناقشة تورطها في دعم المليشيا عملت على منع عقد جلسة استماع علنية في مجلس الأمن حول الدعوى المرفوعة من السودان، وكتم أصوات الضحايا، وعرقلة نشر تقارير أممية كانت ستدين الإمارات صراحة، فقط لأن لندن رأت في أبو ظبي “شريكًا اقتصاديًا”، لا “مجرمًا دوليًا”.
بل أكثر من ذلك، استخدمت بريطانيا نفوذها داخل الأمم المتحدة لتمييع الحقيقة، وتوجيه النقاشات الدولية بعيدًا عن المسار القضائي، مكتفيةً بشعارات فارغة عن “القلق” و”الحاجة إلى التهدئة”، متجاهلة أن ما يحدث في السودان ليس نزاعًا داخليًا، بل عدوان خارجي تموّله دول خليجية وتغذيه ميليشيا إجرامية.
وبعد هذا السجل المظلم، تُقدِم بريطانيا على تنظيم “مؤتمر لندن” تحت يافطة “دعم الشعب السوداني”، وهي التي منعت صوته من الوصول إلى مجلس الأمن. خلال مؤتمر لندن رفيع المستوى، اندلعت فضيحة دبلوماسية مدوّية بظهور تقرير أممي، أعدته لجنة خبراء تابعة لمجلس الأمن الدولي، تم تقديمه في الأصل في نوفمبر 2024 إلى لجنة العقوبات الخاصة بالسودان ورود اسم الإمارات هذا التقرير الأممي سري للغاية يتهمها بتسليح الميليشيا المسؤولة عن ارتكاب جرائم حرب في السودان، لكنه سُرّب إلى صحيفة The Guardian ونُشر قبل أيام فقط من انعقاد المؤتمر. وقد حمل التقرير عنوان:
Leaked UN experts report raises fresh concerns over UAE’s role in Sudan war
“تقرير مسرّب لخبراء الأمم المتحدة يثير مخاوف جديدة بشأن دور الإمارات في حرب السودان”
تضمن التقرير معلومات صادمة، من بينها توثيق نمط منتظم لرحلات شحن عسكرية بطائرات “إليوشن Il-76TD” انطلقت من الإمارات إلى تشاد، قرب الحدود السودانية، في مناطق معروفة بكونها ممرات لتهريب الأسلحة إلى دارفور. كما أشار إلى اختفاء بعض هذه الطائرات من أنظمة التتبع الجوي أو تغييرها لمسارها، ما أثار الشكوك حول عمليات تهريب سرية ممنهجة. وقد وصف الخبراء هذا النشاط بأنه “جسر جوي إقليمي جديد”، ما يشير إلى وجود سلسلة إمداد منظمة، لا مجرد حالات فردية.
أبرز ما ورد: “نمط ثابت” من رحلات شحن جوية بطائرات إليوشن Il-76TD من الإمارات إلى تشاد، قرب الحدود الغربية للسودان. هبطت هذه الرحلات بالقرب من ممرات تهريب أسلحة معروفة إلى دارفور. بعض الطائرات اختفت من الرادار أو انحرفت عن مسارها – ما أثار الشكوك حول عمليات سرية. وصفها خبراء الأمم المتحدة بأنها “جسر جوي إقليمي جديد” – “، وهو ليس نشاطًا فرديًا بل سلسلة إمداد ممنهجة. رغم أن التقرير لم يؤكد محتوى الشحنات، فإن نمط التحركات والمواقع يؤكد وجود دعم عسكري إماراتي مباشر لقوات الدعم السريع التي تُتهم بارتكاب الإبادة الجماعية، والاغتصاب، والقتل الجماعي، والتطهير العرقي – لا سيما ضد قبيلة المساليت في دارفور.
هذه المسرحية الدبلوماسية لم تكن لتكتمل دون تسريب التقرير الأممي، الذي فضح الجوهر الحقيقي للمؤتمر. ومع ذلك، لم تتوقف المسرحية. واجه المؤتمر انتقادات فورية – من منظمات المجتمع المدني السوداني، وجماعات حقوق الإنسان، والحكومة السودانية. وطرحت أسئلة: “كيف تدعون من يغذّي الإبادة إلى مؤتمر سلام؟” و”لماذا لا تزال المملكة المتحدة تبيع الأسلحة للإمارات بينما تسمي السودان أسوأ أزمة إنسانية في العالم؟” من بين المشاركين الذين تعرضوا للانتقادات كذلك: تشاد وكينيا – وكلاهما متهم بتسهيل عمليات الدعم اللوجستي العابر للحدود لصالح قوات الدعم السريع. ورد وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي: “أي عملية سلام مستدامة تتطلب دعم جميع الأطراف في المنطقة وخارجها.” الترجمة: ‘’حتى المتهمين بارتكاب جرائم حرب مرحب بهم”.
لكن القصة لا تنتهي هنا. في المقال القادم، سنفتح ملف “المسار المدني الثالث” الذي وُلد في كواليس السفارات لا من نبض الشارع، وصُمم كواجهة ناعمة لانقلاب مدعوم خارجيًا. سنفكك توصيات مؤتمر لندن، ونحلل البيان الختامي، ونقيّم ما يعنيه هذا المسار والمؤتمر بأكمله لمستقبل السودان: هل هو مخرج حقيقي، أم إعادة إنتاج للأزمة بوجوه مختلفة؟
bitalmakki@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top