كبسولة وعي المحاكمة التي لم تُعقد أبدًا دور كينيا في حرب السودان بالوكالة (3) بقلم: صباح المكّي

كبسولة وعي

المحاكمة التي لم تُعقد أبدًا

دور كينيا في حرب السودان بالوكالة (3)
بقلم: صباح المكّي

شهود اختفوا، شهادات أعيد تشكيلها، ومسار قانوني كُتم قبل أن يولد….

كينيا منحت ميليشيا الدعم السريع منصة سياسية تحت غطاء الوساطة.

كيف يتحول الإفلات من العقاب من ظرف مؤقت إلى بنية دائمة؟!!.

لم تُمنح العدالة لحظتها — لأن المنظومة لم تُخفق في حمايتها، بل شاركت بصمت مدروس في خنقها.
وإذا كانت الدبلوماسية قد شرعنت التمرد، وكان الذهب وقود توسعه، فإن ما انهار هنا لم يكن مؤسسة، بل المفهوم ذاته: العدالة.

هذه حكاية المحكمة الجنائية الدولية — التي اقتربت يومًا من محاكمة مهندسي حمّام الدم الكيني، لكنها لم تنهزم بنقص الأدلة، بل أُجهضت بتخطيط منهجي: شهود اختفوا، شهادات أعيد تشكيلها، ومسار قانوني كُتم قبل أن يولد.

من ألسنة لهب كنيسة كيامبا إلى صمت لاهاي، لم يكن ما حدث تعثرًا قانونيًا، بل محوًا محسوبًا للحقيقة.
ولفهم الحاضر، لا بد من العودة إلى تلك اللحظة المفصلية: انهيار المحاسبة — لا كحادثة طارئة، بل كخيار سياسي.
ففي النظام الذي صاغه ويليام روتو ورعاته، الإفلات من العقاب لم يكن استثناءً — بل هو القاعدة.
وحين يتراجع القانون، لا يخلف فراغًا — بل يُستبدل بمنظومة بديلة تُقنّن اللاعدالة وتعيد تعريف الشرعية.

الجزء الأول فضح زيف حياد كينيا، التي منحت ميليشيا الدعم السريع منصة سياسية تحت غطاء الوساطة.
الجزء الثاني كشف المحور الذهبي بين نيروبي وأبو ظبي، حيث أقرّ ريغاثي غاتشاغوا بدور روتو في مشروع أعاد تقديم زعيم ميليشيا في هيئة “رجل دولة” — مغسول بالدبلوماسية ومُلطّخ بالدم.
أما هذا الجزء، فيتتبع كيف يتحول الإفلات من العقاب من ظرف مؤقت إلى بنية دائمة، وكيف تُستبدل العدالة بسردية محكمة تُخضع القانون للمصلحة، وتُصاغ السلطة من رماد الجرائم.

*رماد كيامبا: أمة تحترق*

شكلت أحداث ما بعد انتخابات 2007 في كينيا لحظة تمزق أخلاقي ووطني. أكثر من 1100 قتيل، ونحو نصف مليون مشرّد، في موجة عنف عرقي ممنهج اتخذ من الخلاف الانتخابي واجهة لآلة عنف مصمّمة. مجزرة كنيسة كيامبا — حيث احترقت النساء والأطفال وهم يلوذون بالمذبح — كانت ذروتها. وصمة غائرة لا تطارد الضمير الكيني فحسب، بل تكشف حدود العجز الدولي. التحقيقات لاحقًا بددت أي ادعاءات بالعفوية؛ العنف كان ممنهجًا، بتحريض وتمويل وتنظيم. لم تكن كيامبا انفجارًا، بل تنفيذًا دقيقًا لإبادة صامتة. في 2010، فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقًا proprio motu لمحاسبة المسؤولين. من بين المتهمين: ويليام ساموي روتو، وزير الدولة آنذاك، بتهم تنظيم هجمات انتقامية وتحشيد ميليشيات عرقية.

*الحرب السردية: استباق المحكمة وتحصين الذات*

في يناير 2020، وبعد زيارة سرّية إلى حزام الذهب في السودان، شنّ روتو — آنذاك نائب الرئيس — هجومًا استباقيًا، متهمًا جهات “مجهولة” بمحاولة إحياء ملفه المجمد في لاهاي. رغم أن تصريحه بدا كحملة انتخابية مبكرة، إلا أنه حمل ما هو أخطر: تكتيك سلطوي لإعادة تعريف المحاكمة كأداة اضطهاد سياسي. روتو لم ينتظر اتهامًا — بل استدعاه بنفسه. استبق التسريبات المحتملة — عن زيارته، اتصالاته، أو الشحنات المشبوهة — بصناعة رواية “المؤامرة السياسية”. هكذا تحوّل القانون إلى خصم، والمساءلة إلى استهداف. لم تكن تلك مناورته الأولى، بل تجسيد لنموذج مألوف في جنوب العالم: حيث تُخنق الحقيقة داخل سردية المظلومية، قبل أن تصل منصة المحكمة.

*آلة التخريب: غيتشيرو وشبح العدالة*

رغم تجميد التهم الموجهة إلى ويليام روتو منذ عام 2016، لم يُغلق الملف نهائيًا — بل انتقل من ملاحقة الجريمة إلى تفكيك الآلية التي عطّلت محاسبتها.
لم يعد السؤال: “ما الذي ارتُكب؟” بل: “كيف قُتلت العدالة، ومن دبّر اغتيالها؟”
بين عامي 2020 و2022، فعّلت المحكمة المادة 70 من نظام روما الأساسي، لا لإعادة فتح ملف العنف، بل لتعقّب بنية التخريب التي طمست الحقيقة.لم تكن جرائم ميادين، بل جرائم مكاتب: عقود، تمويل، شهود يُشترَون، وقضايا تُخنق بالترهيب قبل أن ترى النور. في نوفمبر 2020، سلّم بول غيتشيرو، المحامي المقيم في نيروبي والمشتبه به منذ سنوات بتخريب ملفات كينيا في المحكمة الجنائية الدولية، نفسه طوعًا للسلطات الهولندية. نُقل إلى لاهاي، ووقف أمام القضاة بهدوء محسوب، منكِرًا التهم — كما لو أنه يكرر سيناريو مُعدًّا سلفًا. لكن خلف هذا الهدوء، اتضح البناء: شبكة سرية لتقويض قضيتي روتو وسانغ. انسحب 16 شاهدًا من أصل 42 — بعضهم تحت التهديد.

وصفت المدعية فاتو بنسودا ما جرى بأنه “حملة لا هوادة فيها لترويع الضحايا”، حوّلت المحكمة من منبر للحقيقة إلى قبر للصمت.

استسلام غيتشيرو لم يكن اعترافًا، بل نافذة على نظام يعطّل المحاسبة بتقنية صامتة. ورغم أن روتو لم يُدرج رسميًا كمتهم في هذه القضية، إلا أن كل الخيوط قادت إلى دائرته السياسية. القضية لم تنهزم بغياب الأدلة — بل تم تفكيكها باحتراف. في 2022، توفي غيتشيرو فجأة في نيروبي. لا تفسير، لا حكم. وبموته، انقطع آخر خيط يربط العدالة بجرائم ما بعد انتخابات كينيا — لا عبر التبرئة، بل عبر خنقها بصمت.
لم تكن النهاية نَفَس عدالة… بل زفرة اختناق.

*حين تصبح اللاعدالة نظامًا: من التحصين إلى التصدير*

على مدى عقد، قدّم روتو نفسه كضحية مؤامرة كونية — لا كمشتبه به في جرائم ضد الإنسانية. سردية “داوود السيادي” في مواجهة “جالوت العدالة المسيسة” كانت سلاحه الأنجع.
لكن روتو لم يدافع فحسب — بل أعاد تشكيل قواعد اللعبة. في 24 يوليو 2023، وقّع على بروتوكول مالابو، مانحًا المحكمة الإفريقية صلاحيات موسعة، مقابل حصانة دائمة لرؤساء الدول. التوقيع قُدّم كحماية للسيادة الإفريقية — لكنه كان، في جوهره، بناءً قانونيًا للإفلات الممنهج. وفي نوفمبر 2023، أغلقت المحكمة الجنائية ملف كينيا بحجة “عدم كفاية الأدلة”. لكن الحقيقة أبعد من ذلك: ما سقط ليس الدليل — بل مبدأ المحاسبة نفسه.

ويجدر التذكير هنا بأن محامي روتو أثناء المحاكمة لم يكن شخصية هامشية، بل السيد كريم خان — الذي يشغل اليوم منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نفسها. المفارقة هنا ليست قانونية، بل أخلاقية: الرجل الذي دافع عن المُتهم، بات رأس هرم المؤسسة التي سُحقت فيها القضية.

في 2025، انكشفت المسرحية. ظهر ريغاثي غاتشاغوا، نائب روتو السابق، ووجّه اتهامات صريحة: غسل ذهب النزاع السوداني، وتحالف مع ميليشيا الدعم السريع، وتفكيك ممنهج للمحكمة الجنائية.
لم يكن ذلك تمرّدًا سياسيًا، بل اعترافًا من قلب السلطة بأن الإفلات لم يكن حادثًا — بل خطة متقنة.

*خاتمة: من كيامبا إلى دارفور — التكرار لا الخطأ*
من كيامبا إلى دارفور، من قرى الجزيرة المضرّجة بالدماء إلى ممرات الذهب في الخرطوم، من الشهود المختفين إلى الذهب المغسول، تتردد الرسالة ذاتها:
مع ما يكفي من الذهب، ومع الحليف المناسب، لا حاجة لإنكار الجريمة — بل يمكن محوها من الذاكرة الجماعية.
حين تُغتال العدالة عمدًا، لا تترك فراغًا — بل تخلق نموذجًا.
وحين يُصمَّم الإفلات بذكاء، لا يُدفن داخليًا — بل يُصدَّر خارجيًا.
العدالة الدولية، كما تمارس اليوم، ليست إلا واجهة قابلة للاختراق، وللتطويع، وللتعطيل — ما دام هناك ما يكفي من الذهب، والغطاء، والخطاب السيادي.

*تمهيد الجزء الرابع: من حرب الموارد إلى هندسة الإقليم*

لم تُبنَ إمبراطورية الذهب التي شيّدتها ميليشيا الدعم السريع لإدامة الحرب — بل لتجاوزها والتحكّم في نتائجها، وفرض وقائع سياسية جديدة خارج منطق القانون. ما بدأ كاقتصاد صراع ميداني، تحوّل تدريجيًا إلى هندسة إقليمية تعيد رسم الخرائط: تموّل الانتخابات، تُنبت شرعية من تحت الأنقاض، وتعيد تعريف موازين القوة بلون الذهب.في النيجر، ووفقًا لتقرير نشرته الجزيرة نت، تبرّع حميدتي بـ20 مليون دولار لدعم حملة الرئيس محمد بازوم — في واحدة من أوضح صور استثمار الذهب السودانى للتأثير في التوازنات والتحالفات تمهيدا للحرب. أما في شرق إفريقيا، فتحوّلت الوساطة الكينية من واجهة حياد إلى غطاء لتحالفات مضمَرة: امتصاص للرقابة، وتدوير لغوي لمفهوم “السلام”، ليتماشى مع منظومات شُيّدت على الإفلات من العقاب.وفي عواصم المانحين ومنصّات القمم، لم تُدان الفظائع — بل أُعيد تسويقها: صُنّفت كـ”حوار”، رُوّج لها كـ”مسارات شاملة”، وقُدّمت كأعراض يمكن إدارتها ضمن صراع يُدار من قبل من أشعلوه، ثم أعادوا تقديم أنفسهم كوسطاء.
لكن التحوّل الأخطر لم يكن عسكريًا — بل استنساخيًا.
رجلان، نشأ كلاهما في تضاريس متباعدة، بدأ كلٌّ منهما يعكس الآخر:
• أحدهما نائب أصبح رئيسًا.
• الآخر، نائب رئيس عاد إلى زيّ الميليشيا، ثم أُدرج مجددًا في مسار التصنيع السياسي في هيئة “رجل دولة” — لا باعتباره خيارًا، بل كخطة تتجاوزه.
كلاهما خرج من أنقاض العدالة، كلاهما أعاد صياغة القانون كسردية كلاهما أدرك أن العنف لا يُدان — بل يُستثمر.
من نيروبي إلى الخرطوم، وُلد النموذج الجديد: السلطة لا تُمارس رغم الإفلات من العقاب — بل بفضله.
يتتبّع الجزء الرابع هذا التحوّل: من سبائك الذهب إلى صناديق الاقتراع، ومن طاولات الوساطة إلى اروقة التآمر السياسى.
إنها قصة رأس مال استُخرج من الحطام، ثم أُعيد تدويره كعملة في بورصة الدبلوماسية — وكيف تحوّلت ثلاثية مليشيا الدعم السريع – روتو – أبو ظبي من غسل الذهب إلى غسل الحوكمة: أولًا إقليميًا، ثم — وبثقة متزايدة — دوليًا.
حين يتكلّم الذهب، تصمت الإمبراطوريات. لا من أجل السلام، بل انسجامًا مع إيقاع مصالحها.
لم تعد هذه “حربًا بوسائل أخرى” — بل باتت: تبييض السلطة.
#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني
bitalmakki@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top