تغنت باستعادتها مدن السودان، وسارت بتحريرها الركبان،،
بـارا .. أكثر من انتصار ميداني..
تقرير:إسماعيل جبريل تيسو
شكَّلت منصةً متقدمة للميليشيا في عملياتها ضد الأبيض وضواحيها..
أعاد استردادها الأمان لكردفان، والأمل لدارفور، والنصر صبر ساعة..
مدينة محورية مهمة في حركة البضائع بين أم درمان، وكردفان..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
لاتزال الركبان تسير بالانتصار الساحق الذي حققته القوات المسلحة، والقوة المشتركة، والقوات المساندة لها، بدحر ميليشيا الدعم السريع وانتزاع مدينة بارا من أيديها الأثمة عنوةً واقتدارا، فقد احتفى التايم لاين بهذا الانتصار الكبير، ورقصت الكثير من مدن السودان على إيقاعه باعتبار أن هذا الانتصار يمثل تحولاً استراتيجياً خطيراً في مسار العمليات العسكرية في محور كردفان لما يشكله من ارتدادات إيجابية تدعم خطة القوات المسلحة الرامية إلى الوصول إلى دارفور.
بالطبع كانت بارا شاردة عن بقية مدن السودان، وتائهة بين يدي الميليشيا المتمردة، ولكن الجيش أبى إلا وأن يعيد إليها ألقها وبريقها باستردادها الذي رسم الفرح عالماً مخضَّراً بفرح السنابل وبوح العناقيد، وتقول التأويلات المتداولة في مجتمع المنطقة، إن اسم بارا، مشتقٌ من الفعل العربي الرباعي ” بارى ومضارعه يُباري”، بمعنى اقتفى ويقتفي أثره، ويعود اسم مدينة بارا بحسب الكثيرين إلى حكاية تُروى عن شقيقين، افتقد أحدهما شقيقه الآخر الذي دخل غابة كثيفة، فما كان من الشقيق إلا أن يقوم بالبحث عن شقيقه المختفي عن طريق اقتفاء أثره و”مباراته” حتى وجده في هذه المنطقة “الكثيفة غابياً” والتي سميت فيما بعد باسم بارا، ومن التأويلات الأخرى المتداولة بشأن معنى بارا، أن اسمها مشتقٌ من كلمة البر، حيث توصف بارا بأنها منطقة بر وخير وفير، فيما يذهب تأويلٌ ثالث إلى أن بارا مشتقة من اسم نبات يتمدد في بيئة المنطقة ويُطلق عليه بارا، ومهما يكن من أمر، تبقى كثرة التأويلات، دلالةً على مكانة وعظمة مدينة بارا التي تكتسب أهميتها من موقعها الجغرافي الفريد باعتبارها رابطةً محورية بين العاصمة الخرطوم، وبين مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان التي تبعد عنها بنحو خمسين كيلو متراً تقريباً.
أهمية استراتيجية وعسكرية:
ومنذ سقوطها في يدي ميليشيا الدعم السريع في بواكير حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، شكَّلت بارا منصةً متقدمة للميليشيا المتمردة في عملياتها ضد مدينة الأبيض وضواحيها، حيث استخدمها المتمردون في شنِّ هجمات مستمرة بالطائرات المسيّرة، وقصف أهداف مدنية وعسكرية داخل مدينة الأبيض، بيد أنَّ هذه التهديدات الأمنية لم تقتصر على الأبيض فحسب، بل امتدت تأثيراتها حتى إلى العاصمة الخرطوم التي طالها القصف بالطائرات المسيّرة المنطلقة من مدينة بارا، ولعل الاستهداف الأخير لمحطة كهرباء المرخيَّات بشمال أم درمان ومناطق أخرى، كان ووفقاً لمراقبين بطائرات مُسيَّرة انطلقت من مدينة بارا، وبالتالي فإن استعادة الجيش للمدينة، قد أعاد الطمأنينة والسكون لمدينة الأبيض التي تنفست الصعداء، في وقتٍ اختنقت فيه جيوبٌ صغيرة في محيط بارا، تحتمي داخلها ميليشيا آل دقلو، حيث أصبحت هذه الجيوب في متناول يد القوات المسلحة، وستشهد الساعات القليلة القادمة ملاحم القضاء عليها وتحريرها من دنس الميليشيا، لتكون الطريق خاليةً نحو استرداد مدن مهمة مثل الخُوي والنهود في غرب كردفان، وصولاً إلى إقليم دارفور، ومدينة الفاشر التي تُعتبر الهدف الاستراتيجي الأبرز للجيش في المرحلة المقبلة.
الأهمية الاقتصادية:
ووفقاً للكثير من الخبراء الاقتصاديين فإن مدينة بارا ليست مجرد عقدة مواصلات تتخذ موقعاً مهماً في قلب طريق الصادرات، أم درمان – الأبيض، بل هي مدينة تجارية نشطة، منحها موقعها الاستراتيجي على هذا الطريق الحيوي والمهم، قيمةً مضافة، وميزةً تفضيلية لتكون مدينةً محورية في حركة البضائع بين أم درمان، وكردفان وصولاً إلى بقية مدن وولايات السودان، وتشتهر بارا بمورد معدني مهم يتمثل في خام السليكا الموجود في الرمال البيضاء المحيطة بها، ويمتهن معظم سكان المدينة حرفة الرعي وتربية المواشي كالأبقار والأبل و الأغنام و الضأن، وتنتج أراضي بارا التي تتميز بالقيزان الرملية، والخيران الموسمية، عدة محاصيل من أبرزها: الفول السوداني، والدخن، والسمسم، والذرة، إلى جانب ليمون بارا الشهير والمعروف بجودته العالية، وقد ساهمت النهضة التجارية المزدهرة التي تشهدها مدينة بارا، في تشجيع عدد من المصارف لتفتح فروعاً لها في المدينة، مثل البنك الزراعي السوداني، ومصرف الادخار، ومن هنا فإن استرداد بارا واستقرارها، يعني عودة عجلة التجارة والنقل للدوران ما بين العاصمة الخرطوم، وكردفان، وهو ما سيترك أثراً مباشراً على الوضع المعيشي للمواطنين الذين صمد الكثيرون منهم في وجه الميليشيا المتمردة.
صُرّة السودان:
ويقول الصحفي المهتم بالشأن الكردفاني الأستاذ خالد بخيت إن مدينة بارا تعدُّ واحدةً من أهم المدن السودانية ذات التاريخ العريق والدور المحوري في التحولات الوطنية لارتباط اسمها بتحرير الخرطوم في عهد المهدية، حيث انطلقت منها الشرارة الأولى لذلك الحدث المفصلي، ما منحها بعداً استراتيجياً ظل يلازمها حتى اليوم، ويرى بخيت في إفادته للكرامة، أن أهمية مدينة بارا ازدادت مع إنشاء طريق الصادرات الذي جعلها ملتقى طرق رئيس يربط وسط السودان بغربه وشماله وجنوبه وشرقه، حتى أُطلق عليها لقب “صُرّة السودان”، مبيناً أن هذا الموقع جعل بارا مركزاً تجارياً نابضاً بالحركة ووجهةً رئيسة للقوافل والسلع الزراعية، ويتناول الصحفي خالد بخيت الجوانب الاجتماعية لمدينة بارا التي قال إنها توصف بالأسرة الواحدة الكبيرة، وزاد: ” خلال أكثر من 140 عاماً عملت بارا على غزل مكوناتها من مختلف القبائل لتكوِّن نسيجاً اجتماعياً متماسكاً يُذيب الغريب في دفء حفاوته حتى يصبح جزءاً من أهلها، حتى قيل إن “أسوأ ما في بارا أنك تنسى أهلك في حضرة أهلها” ، ولعل هذه الروح المجتمعية تمثل رصيداً اجتماعياً وإنسانياً كبيراً، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب التي تتطلب تعزيز قيم التماسك والوحدة الوطنية.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر سيبقى الحادي عشر من سبتمبر 2025م تأريخاً محفوراً في ذاكرة مدينة بارا التي عادت معززةً مكرمة لحضن الوطن، ليكون استرداد بارا أكبر من مجرد انتصار ميداني، فهو اختراق استراتيجي أعاد للأبيض أمنها، وأعاد لسكان كردفان الأمل في دحر الميليشيا وتحرير كامل ترابهم، وفي ذات الوقت فقد وضع هذا الانتصار رسالة في بريد مواطني دارفور مفادها: ” أن أبشروا، فإن المدَّ العسكري قد انطلق ولن يتوقف إلا بتطهير كل شبر من السودان من دنس هذه الميليشيا الإرهابية المتمردة، وتبقى أهمية بارا الاقتصادية والاجتماعية في كونها منصةً مهمة تجعل من المدينة المرابطة في أحضان كردفان، ركيزةً مهمة في مشروع إعادة بناء الثقة، وتعزيز الاستقرار والأمان في ربوع السودان.





