هناك فرق مني أبوزيد من واشنطون إلى الدندر..!

هناك فرق
مني أبوزيد
من واشنطون إلى الدندر..!

*”إذا تحدثت الدولة بلسان السوق فقد الخطاب الرسمي وزنه النوعي، وإذا اقترب الحاكم من الشعب أكثر مما ينبغي فقد أحدهما مكانه أو مكانته”.. الكاتبة..!*

الأمهات هن الأمهات في كل مكان وعند كل زمان، نحيلات كُنَّ كفزّاعات الطيور أم مكتنزات كأسرار البيوت القديمة، عمليات كُنَّ مثل الحواسيب أم سطحيات كأغلفة الهدايا..!

وسواء كان طعامهن هو البيض بالأفوكادو وشرائح اللحم نصف المطهو مع صلصة المشروم، أو كان عصيدة وملاح تقلية أو أم رقيقة بالكسرة وكمونية وضلع، يبقى طعام الأم هو الأشهى، والأقدر على استدعاء نظرية بافلوف بجرس الذكرى كلما تلفت القلب واندلع الحنين..!

تظل الأم هي الحبيبة الأولى، والمرجعية الأسرية المقدسة، والسلطة الوجدانية الأجدر بالولاء والبراء. ومع ذلك – أو ربما لذلك – تحضر سيرة الأمهات أحياناً حين يغيب العقل، عند الغضب، وعند الفقد، وفي لحظات الانفعال التي ينازع فيها الإنسان قاعه النفسي لا سقفه الاخلاقي والثقافي..!

المنابر السياسية ومواقفها الجماهيرية صارت اليوم – بعد شيوع مظاهر معاداة النخبوية – أقرب إلى مشاهد الشوارع العامة ومشاداتها العابرة ولحظاتها الانفعالية، وصار التعريض بسير الأمهات هو المشهد “الماستر سين” في موقفين متباعدين على الخريطة، متقاربين في مظاهر الرِّدة الثقافية وأبعاد الدلالة الاجتماعية..!

من واشنطن حيث قالت الناطقة باسم إدارة ترامب في معرض إجابتها على سؤال أحد الصحفين “أمك” – الله وحده يعلم مالذي كان يدور في رأسها الجميل “الموشَّى بشرائط ملونة من الحمق” – إلى الدندر حيث قال العم حماد عبد الله حماد قولته التي ذهبت مثلاً عند من راقت لهم ..!

سكت ترامب في معرض الحاجة إلى بيان، فاعتُبِر صمته بياناً بحسب مقتضى الحال. وصافح الفريق البرهان العم حماد أمام الكاميرات. ثم عاد لكي ينتقد موقفه نقداً دبلوماسيا خافتاً، لا يُفسد لموجة معاداة النخبوية قضية..!

الذي يجمع بين الموقفين – الذين أتيا بدوريهما في أعقاب اتهام ترامب لرئيس دولة أخرى باستخدام السحر للنيل من عافيته – هو الشعور بالتجرد من الهيبة القديمة، وصعود مدرسة العفوية الحديثة إلى سُدَّة الموقف العام..!

المؤتمرات الصحفية في البيت الأبيض صارت تدار إذن بلغة الأزقة، شأنها في ذلك شأن حوارات الكاميرا في شوارع الدندر، بالانفعال الخام لا بالحكمة المصقولة. لقد ضرب وباء معاداة النخبوية معظم شعوب العالم من واشنطن إلى الدندر..!

صار الخطاب السياسي يُكافئ البساطة ويمقت والرصانة، وصار القائد الناجح هو من يشبه الناس، لا من يسبقهم. ترامب فهم اللعبة مبكراً “ليس المهم أن تكون دبلوماسياً، بل أن تبدو مثل فرد من الجمهور الذي مل من النخب التي تبرق من عليائها فقط، مثل بنات نعش اللاتي يعتبرن البريق في حد ذاته فضل وجميل يسدينه إلى أهل الأرض..!

والفريق البرهان فهم اللعبة أيضاً على طريقته” ليس المهم أن تكون بعيداً ومهاباً، بل أن تُشعر الناس أنك واحد منهم”، حتى لو اضطررت إلى الترحيب بمن يلعنون الأعداء ويستدعون سير أمهاتهم جهراً بما لا يقال..!

الدكتور كامل إدريس، الأكاديمي والمدير الأممي المرموق، لم يسلم أيضاً من تلك العدوى، فرأيناه يوزع الورود على ركاب المواصلات العامة، ويقف بين مواطنيه في أحد مقاهي القاهرة، محاولاً أن يتخفف من عباءة الخبير الدولي، ليبدو قريباً من الجماهير وشارعه العام..!

لكن، ما الذي ربحته الشعوب من هذا التقارب؟. لا شك أن النخبوية حين تتعالى تفقد إنسانيتها، لكن الشعبوية حين تستمريء استخدام لغة السوق، تفقد حكمتها التي هي ضالتها..؟

النخبة – رغم عيوبها – هي صمام الأمان الذي يُبقي العاطفة في حدودها، والهيبة في مكانها، والعقل في مقعد القيادة. أما حين تتحول الكلمة الرسمية إلى صدى لحوار الشارع، فإن الخطر لا يكون على اللغة وحدها، بل على فكرة الدولة نفسها..!

معاداة النخبوية، رغم ظاهرها الإنساني، هي في جوهرها عمل غير صالح، لأنها تسحب السياسة من مقامات الفكر إلى ساحات الغريزة، وتجعل من القرب العاطفي بديلاً عن الكفاءة، ومن الانفعال الشعبي مبرراً لسقوط المعايير..!

munaabuzaid2@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top