(يا حليلك)… وما أستمطرت من دمع الطاهر يونس:

(يا حليلك)… وما استمطرت من دمع

الطاهر يونس:

استوقفني في أحد القروبات مقالْ حشد كاتبه كل أدوات الإبداع ليشرِّح كلمة «يا حليلك» في العامية السودانية فلامس التناول شيئاً عميقاً في داخلي، شيئاً عصيّاً على الشرح والترجمة.
وجدتني أسبح في بحرٍ من الإحساس الذي تُخَلِّقه هذه الكلمة وحدها، كلمة لا تعرفها العاميات العربية الأخرى على وجهها السوداني الفريد فهي ليست مفردةً تُدرَس في القواميس بل حالة شعورية تنبع من الذاكرة وتمتزج بالطيبة والحنين والدمع في آنٍ واحد.
(يا حليل ) كلمة تُقال بالعين قبل اللسان وتُحسّ بالنفس قبل أن تُسمَع في الأذن.
هي تعبير خُلق ليُلامس الأماكن المكسورة في القلب ليصف تلك المشاعر التي يتعذّر البوح بها فلا تجد طريقاً إلى الكلام إلا عبر هذه المفردة التي تشبه زفرة الراحة وتنهيدة الحزن في اللحظة ذاتها.
وحين تقولها الأم أو الحبوبه وهي تسترجع صورة غائبٍ طال سفره، تتحوّل «يا حليل فلان» إلى سفرٍ آخر… سفر الروح القاصد والدعاء المتلفّح برغبة العودة وسخاء الحنين.
أما حين تأتي مواساة فإنها تهبط ناعمةً، حانيةً، تحمل من المؤازرة ما لا تستطيع الجُمل الطويلة حمله فالمواساة في السودان أحياناً لا تحتاج لأكثر من «يا حليلك»، ليشعر من أمامك أنك وضعت يدك على جرحه بملامسةٍ لا تعرف القسوة.
وحين تُقال في لحظة فراق أو ذكرى راحل تنزل من الأعماق موجوعةً، محمّلةً برائحة الغياب، غارقةً في متاهات الحزن.
وهنا تتحوّل «يا حليل» إلى نقطة بكاء… إلى صوتٍ يخرج من القلب قبل الحنجرة.
لذلك جاءت الأغنيات السودانية التي تضم هذه الكلمة فائضةً بالشجن، تكاد تخلع القلب من مكانه. في كل أغنية موسومة بـ«يا حليل»، تتكدّس ذكريات المستمع كما لو أنه يعود ليرى نفسه في زمنٍ كان أجمل، أو شخصٍ كان أغلى، أو مكانٍ كان أدفأ.
إنها كلمة تعرف كيف تفتح الأبواب المغلقة في القلب دون استئذان.
ولطالما استمتعت (بحنية) صوت الراحل حمد الريّح وهو يصف (أنين القمري فوق نخل الفريق ) ذلك الأنين الذي عبر بلغة سودانية موغلة في المجاز عن فقدٍ ووجعٍ ووجوهٍ غابت، وسنواتٍ انزلقت من بين أصابع العمر في غفلةٍ من الروح. أحياناً لا تحتاج لكل ذلك السرد يكفي أن تأتي كلمة واحدة مدسوسة في أحشاء أغنية، تخرج بنبرةِ ( ياحليل ) لتستنفر ما اختبأ في داخلك من ذكريات ومواجع وانكسارات… وربما مواجع وطن بأكمله.

ختاماً…
لكل الذين سكنوا أرواحنا بلا موعد وفتحوا أبواب القلب على مصاريع المحبة ومضوا بلا استئذان تاركين خلفهم أثرَ خطواتٍ لا يزول، وشعلةَ شوقٍ لا تنطفئ…
لأرواح عاصم، ومجدي، وسعاد، وكل فقْدِنا في سنوات التيه وقد تآزرت أرواحهم وعَجِلَت إلى بارئها قبل أن يشتد ساعد الود الذي بيننا،
وبعد الرضاء التام بقضاء الله وقدره، نقول من الأعماق:
«يا حليلكم»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top