من قلب الوطن
احمد عبدالصمد
حين يُنكر الجيش… تُستهدف الدولة
من قلب وطن أنهكته الحرب، لا يبدو إنكار وجود الجيش مجرد رأي سياسي، بل مؤشراً خطيرا على اختلال البوصلة الوطنية. فالدول لا تُقاس بما يُقال عنها في المنصات، وإنما بما تمتلكه من مؤسسات قادرة على حماية كيانها وصون سيادتها. الجيش، بوصفه مؤسسة وطنية، ليس فكرة رمزية ولا تفصيلا قابلاً للتجاوز، بل ركيزة أساسية في بنية الدولة. وحين يُختزل وجوده في خلاف سياسي، أو يُنفى كلياً تحت دعاوى آنية، فإن المستهدف في الحقيقة ليس الجيش، بل الدولة نفسها. التجربة التاريخية، قديمها وحديثها، تؤكد أن الفراغ الأمني لا يولد انتقالا ديمقراطياً، بل يفتح الباب للفوضى، ويمنح الشرعية لقوى السلاح خارج الإطار المؤسسي. لذلك فإن أي خطاب يتجاوز النقد إلى نفي المؤسسة، إنما يساهم بقصد أو دون قصد في تفكيك فكرة الدولة من جذورها. من حق المواطنين، بل من واجبهم، مساءلة المؤسسات كافة، بما فيها المؤسسة العسكرية، ومطالبتها بالإصلاح والتطوير والالتزام بالدور الوطني. لكن هذا الحق لا يتحول أبداً إلى شرعية لإلغاء المؤسسة أو إنكار وجودها، لأن الفارق كبير بين الإصلاح والهدم. إن أخطر ما في خطاب (لا يوجد جيش) أنه لا يقدم بديلاً وطنيا، ولا تصورا عمليا لإدارة الدولة، بل يترك سؤال القوة مفتوحاً على المجهول: من يحمي السيادة؟ من يضبط السلاح؟ ومن يمنع انزلاق البلاد إلى كانتونات متصارعة؟
من قلب الوطن نقولها بوضوح:
الدولة لا تُبنى بالفراغ، ولا تُدار بالشعارات. والجيش، مهما اشتدت حوله الخلافات، يظل مؤسسة وطنية قابلة للإصلاح لا للإلغاء، وللتقويم لا للتصفية. معركة السودان اليوم ليست فقط في الميدان، بل في الوعي. ومن يستهين بخطورة إنكار الجيش، سيجد نفسه لاحقا أمام سؤال أقسى: كيف ضاعت الدولة… ومن المسؤول؟




