عباس الماحى
نقطة سطر جديد
البيت الكبير
البيت الكبير ليس مجرد جدرانٍ وسقف، ولا أبوابٍ عتيقة، بل هو روحٌ تسكن الذاكرة، وشجرةٌ تفرّعت منها الأسرة، وظلّت جذورها راسخةً في الأرض مهما تغيّرت الفصول… من منّا
لا يعشق *البيت الكبير*، ذاك الذي شهد لعبنا ومرحنا في أيام الصِّبا، في فنائه الواسع تحت أشجاره الكثيفة الوارفة الظلال، حيث تتعانق الأغصان في سكونٍ مهيب، وتنساب بين أوراقها همسات الضوء، ممزوجةً بزقزقة العصافير ونسمات العصر الندية… بيتٌ أبوابه مفتوحة وساحته تتسع للفرح واللمة والمحبة… هناك في ركن التُّكل تجلس حبوبة، منهمكةً في تجهيز الزلابية على الكانون، وإلى جوارها شاي اللبن المقنَّن، ونحن نتحلّق حولها بعيونٍ لامعة وقلوبٍ مطمئنة…لا أنسى السحّارة بما تحويه من أسرار، والمشلعيب، والمحراكة، والدوكة، والكِسرة الساخنة القراصة،، الفطير وملاح التقليلة، النعيمية،الروب، الكرارة، الدمعة، السخينة، الكول،المرس، أم دقوقو، وأم رقيقة، الملوخية، السبانخ، الورق،الويكاب، والبامية المفروكة، والطبائخ بأنواعها، والمشي، والأرز، والفول، والسلات، وشيتي الجمر والصاج،والمرأرة، ورائحتي *البخور والقهوة* وهما يفوحان فيملأن المكان ألفةً وحنينًا،ثم لَمّة العائلة حول السفرة أو على البرش، حيث تختلط الضحكات بالدعوات… المكان الذي يحتوينا حين تضيق بنا سبل الحياة، ويمنحنا دفأه بلا مقابل… فيه تتجمّع الحكايات، وتبقى الأبواب مفتوحةً للقلب قبل الأقدام، وتنام على عتباته الذكريات القديمة… هو الملاذ الذي يلجأ إليه الجميع، كبارًا وصغارًا؛ هو الأمان ، وهو الحنين الذي لا يشيخ، مهما ابتعدنا، تبقى فيه الروح مطمئنة… هناك لا تُسأل عن إنجازاتك، ولا تُحاسَب على تعثّرك أو فشلك؛ يكفي أنك واحدٌ من هذه الشجرة.. بين صور الأجداد… والخطوات المألوفة في أروقته، يجد الإنسان راحته النفسية، ينسى همومه وأحزانه، وكأنه يعود إلى ذاته ، إلى بساطته وصدق مشاعره.
في *البيت الكبير* يسكن الأجداد، حتى وإن غابوا بأجسادهم، نحسّ حضورهم في الحكايات والنصائح، وفي القيم التي زرعوها فينا دون أن نشعر…علّمونا معنى الانتماء، والصبر، والرحمة، وأدركنا معهم أن العائلة كنز لا يُقدّر بثمن، وأن التماسك هو ما يبقي البيوت حيّة، لا الحجارة.
*البيت الكبير* هو المدرسة الأولى للمحبة، نتعلّم فيه كيف نختلف دون أن نفترق، وكيف نغفر دون شروط، وكيف يكون العطاء فطرة لا واجبًا…هو المكان الذي يتزوج فيه الأبناء والاحفاد، وتُرمّم فيه القلوب المتعبة، وتُضمد فيه الجراح، وتحل المشاكل بصمتٍ دافئ… وأجمل ما فيه أنه يستقبل أبناءه دائمًا بالكلمة نفسها، مهما اختلفت أعمارهم:
*”يا ولد”*… *”يا بنت”*
كلمة بسيطة، لكنها تحمل أمان العالم كله، وتعيدنا في لحظة إلى حضن لا يخذل، وذاكرة لا تُغلق أبوابها.
*البيت الكبير* سيظل وطنًا صغيرًا نسكنه، وذاكرةً نابضة نحملها في قلوبنا أينما مضينا، قد تغيّره السنين، وتعبث به الأيام، وقد تبتعد عنه أقدامنا، لكنه يبقى ثابتًا في القلب، دافئًا في الروح، لا يشيخ في الذاكرة… هو الأصل الذي متى لامسناه أستعدنا انفاسنا وأسماءنا ، واطمأن فينا الشعور بأننا لم نضع… إنه الجذر العميق الذي يحتضننا،وكلما عدنا إليه عرفنا من نكون، وهدأت أرواحنا، وأيقنّا أننا ما زلنا ننتمي.




