عودة بعد الغياب (٢)
الطاهر يونس:
حين وطئت قدمي عتبة البيت استقبلتني إلفةٌ قديمة كأن الجدران من فرط فرحها تحوّلت إلى أمٍّ تفتح ذراعيها لتحتوي أبناءها بعد طول غياب. وبرغم ما خلّفه الغزاة من رائحةٍ دخيلة دنّست زوايا البيت وجدرانه (حتى المرآب الذي توارَوا فيه جبنًا اتّقاءً ضربات الطيران )فإن رائحة العشق الأول كانت أسبق وأعمق خرجت من قلب المكان لتغمره وتبسط عليه شجنًا مألوفًا متجددًا يؤكد أن الذاكرة الحيّة لا تُدنَّس.
من بين ثنايا تلك الرائحة انفرجت حافظة الذكريات: ضحكات الأطفال، جلسات الأنس في دفءٍ أسري، زيارات الأحباب والأهل والأصدقاء. طيفٌ مثقلٌ بالشجون، لكنه نابض بالحياة. تزودت من ذلك كله كما يتزوّد المسافر من معينٍ لا ينفد ثم غادرت كافوري وأنا أحمله في القلب متجهًا إلى الجزيرة عبر أحياء الخرطوم شرق الستين.
كانت الطريق خالية، موحشة، كأنها فقدت بريقها وهربت من زحامها القديم. البيوت تطلّ على الشوارع بوجوهٍ شاحبة يملؤها البؤس ويخيّم عليها الأسى، تستجدي العابرين في صمتٍ موجع وتسأل المارّة عمّن يداوي جراح الفراق لساكنيها. كان المشهد أشبه بالعبور في صحراء لا نهاية لها ،فضاءٌ يمتد في العين ويستقرّ في القلب حسرة.
ومن بين هذا الفراغ كانت نقاط ارتكاز القوات النظامية تلُوحْ بخيط أمانٍ خجول يُشعرك بأن البلاد رغم نزيفها ما زالت واقفة. بدا المرور عبر البراري والمنشية والرياض والانسياب السلس في شارع الستين لخفة الحركة باتجاه الجزيرة كأنه عبور من ضفةٍ إلى أخرى؛ إذ تتبدّى مظاهر الحياة جليّة: حركة الناس والسيارات، وبقع الخضرة التي تبعث في النفس يقينًا صامتًا بأن الصمود هو الذي نفخ الروح في هذا المكان العصِيّ على الانكسار.
بالنسبة لي وفي تلك اللحظات كان الدخول إلى الجزيرة حيث مركز الأهل والعشيرة وثقله اختبارًا نفسيًا خالصًا بعد طول غياب ازدحمت فيه الأحداث الصادمة والموجعة. هنا أبكتنا الأيام دمًا بفراق من غيّبهم الموت من واسطة عقد الأسرة؛ أقمارٌ وبدورٌ خبّأ الغياب ضوءها فتركوا في القلب فراغًا لا يُسدّ.
من أين لي بالقوة لملاقاة الأهل، وفي كل بيت وجع، وفي كل زاوية حزن، وما تزال المآقي باكية لم يجفّ دمعها؟ وحين باغتتنا لحظة المواجهة وأسقطت عنّا أقنعة الصبر، أفرغنا شحنات الوجع دموعًا كأننا نُنفّس عمّا كُتم في الصدور لأكثر من عامين. كان البكاء صاخبًا حتى خُيّل للناس أن البيوت فتحت نوافذ العزاء من جديد وأن أطياف الراحلين عادت تتجوّل بيننا بأسمائها وملامحها.
غير أن ذلك اللقاء المهيب وذلك الاستقبال الدامع لم يكونا خاتمة الحكاية بل عتبتها الأولى نحو صباحٍ جديد. فمن بين الدموع تسلّل الأمل وأشرقت شمسٌ جديدة على القلوب بعد أن انقشعت غمّتها، وتجدد العهد صامتًا وعميقًا: أننا عائدون… إلى حضن الأهل والوطن مهما طال الغياب ومهما أثقلتنا الطرق.
نواصل…





