سوبرانو
أحمد دندش
سؤال يبحث عن إجابة…
من (سرق) العصر الذهبي لـ(المذيعات).؟!!
في منتصف الستينات أستقبل المشاهد السوداني للمرة الاولى وجه إحدى المذيعات التلفزيونيات وهي المذيعة الراحلة رجاء أحمد جمعة صاحبة البرنامج الشهير (بريد المشاهد) ذلك البرنامج الذى كان بالفعل من أميز البرامج السودانية في ذلك الزمان، ولعل الظهور الاول لرجاء عبر ذلك الجهاز الإعلامي الحساس كان هو الشرارة الحقيقية الى اعقبها حريق كبير للكثير من اوراق التوطين لثقافة المرأة وكأنها (عورة) لاينبغي ان تظهر للضيوف ناهيك ان تظهر للآلاف والملايين من المشاهدين.
(1)
ورجاء تعتبر من المدارس الاولى التى رسخت مايعرف بـ(الصوت الناعم)، تلك المدارس التى توالت عقب قص رجاء للشريط وإتاحة الفرصة بالمقابل للكثيرات من صاحبات الموهبة بالتقدم للامام، لتأتي عفاف صفوت كأول مذيعة ربط بالتلفزيون -وذلك بالإستناد على عدد من المذكرات التوثيقية المختلفة لتلك الحقبة- بالرغم من أن عدد من الاوراق التوثيقية التاريخية فشلت تماماً في وضع ايهن على المقدمة، وبالتالي كان الاستناد الحقيقي في هذه القراءة على لائحة الهيئة القومية للاذاعة والتلفزيون والتى عرضت خلال اليوبيل الذهبي للتلفزيون، والتى وضعت من خلالها رجاء كأول مذيعة في السودان.
(2)
الترتيب ربما في مثل هذه الجزئيات ربما يحتاج للكثير من التدقيق، ومايهمنا اليوم ليس الترتيب وانما التأثير والانتقال الكبير من خانة السكون الذى لازم المرأة ومعاناتها خلف الابواب المغلقة برغم الابداع الكبير الذى تمتلكه إلى خانة (الانفتاح) الكبير على العالم، وظهور عشرات المذيعات في هذا الزمان لكن قبل هذا دعونا نتخذ انموذجاً ربما اتفقت عليه كل الاجيال وهو نموذج المذيعة الراحلة ليلي المغربي والتى هي عبر كل الاجيال الانموذج الذي تتمنى كل المذيعات الوصول اليه.
(3)
ليلي المغربي هي من مواليد مدينة امدرمان العريقة، تلقت تعليمها بكلية الاحفاد وتخصصت في علم النفس، ثم نالت الدبلوم الوسيط في المكتبات والتوثيق من جامعة الخرطوم ثم دبلوم الانتاج الاذاعي من معهد الموسيقى والمسرح والدراما، وإرتبط اسم ليلي كثيراً ببرنامج (نفحات الصباح)، والذى ساعدها في تقديمه بتلك الصورة المدهشة الثقافة العالية التى كانت تتمتع بها إلى جانب الموهبة الشعرية التى تتملكها والتى جعلتها تضفى على ذلك البرنامج وغيره نفساً محبباً لاتبثه إلا (ابنة المغربي)، والتى واصلت في حصد النجاحات المتتالية حتى انه تم الاستعانة بها من قبل عدد من الاذاعات في دول الجوار منها الاذاعة القطرية والقنوات المصرية والاذاعة الاماراتية والبي بي سي وغيرها، وكانت ليلى من الاسماء النسائية الالمع في تاريخ الاعلام السوداني حتى توفاها الله في حادث مشؤوم بالمملكة العربية السعودية في مارس من العام 1999 اثناء ادائها للحج برفقة شقيقتها سهام المغربي.
(4)
آراء عديدة لمتخصصين في مجال الإعلام والنقد العربي جاءت في تلك الفترة مشيدة بفكرة إقتحام المراة لحقل الاعلام المرئي وتحديداً في النطاق العربي بعد تسجيل المغربية لطيفة الفاسي لأسمها كأول مذيعة عربية في مطلع الخمسينات، تلك التجربة التى يبدو أنها وجدت استحساناً في السودان وبالتالي بداية الانطلاقة الحقيقة لظهور المذيعات بعد سنوات قلائل من ظهور الفاسي، والتى لعبت دوراً هاماً في منح الطريق المظلم الكثير من الشارات المضيئة التى ساعدت الكثير من المذيعات الموهوبات في السودان لتلقف قفاز المبادرة كما سردنا إعلاه.
(5)
ولعل مسيرة المذيعات في السودان قد تعرضت للكثير من الرياح المختلفة الاجواء، ولمتغيرات عديدة ربما ساهمت كثيراً في تغيير الصورة القديمة للمذيعة السودانية، واستبدالها بأخرى ربما مواكبة لعصور التكنلوجيا التى ساهمت في ذلك التغيير بصورة كبيرة جداً.
(6)
مذيعات تلفزيونيات كثر، صاحبات تاريخ وسمعة حسنة وإطلالة ندية، ابرزهن اسم يسرية محمد الحسن الذى لمع في مطلع الثمانينات، وتتمكن من حجز الكثير من الاراضي عبر ماقدمته من برامج مثل (سجى الليل)، وتعتبر يسرية إمتداداً حقيقياً لجيل الرائدات خصوصاً انها تتمتع بالكثير من الادوات والموهبة والتلقائية إلى جانب خبراتها المتعددة والتى دعمتها بالدراسة في دولة مصر العربية في بدايات فترة عملها.
(7)
فترة آواخر التسعينات وحتى منتصف الالفية شهدت كذلك ظهوراً مختلفاً للكثير من المذيعات في السودان، فقدمت الشاشة وجوهاً كثر، ابرزهن هبة المهندس والتى راجت الاراء في تلك الفترة انها البديل الحقيقي للراحلة ليلي المغربي، بينما ظهرت اسماء عديدة من بينهن جدية عثمان وسلوان دفع الله وايناس محمد أحمد.
(8)
اعتقد ان أكثر جزئية اضرتّ بالتسلسل الطبيعي والمنطقي للمواهب النسائية في مجال التقديم التلفزيوني هي جزئية (الغربة) التى ساهمت بشكل كبير في هجرة الكثير من المذيعات صاحبات الإطلالة المختلفة، وبالتالي افتقد الجيل الجديد من المذيعات التوجيهات التى كان من المفترض ان يقمن بأداء دورها اولئك (المغتربات)، وبالتالي بدأن في الترسيخ لقواعد جديدة خاصة بهن، بعيداً عن التاريخ وعن المشاهد السابقة، وهو مادفع بالبعض للتعليق على ماحدث بأعتبار أنه (إستنساخ سئ جداً).!
(9)
وجوه (ناعمة) عديدة غزت الشاشات السودانية في الفترة مابعد منتصف الالفية، بعضها بدأ قبل ذلك لكنه وجد الشهرة فيما بعد، ومن بينهن المذيعة نسرين سوركتي التى شهدت تلك الفترة تحديداً لمعان نجمها بصورة كبيرة، واستطاعت ان تتربع على عرش المذيعات لكن وكالعادة طاردتها المقارنات بالراحلة ليلي المغربي، وهو ماسحب الكثير من النقاط منها، بالرغم من ان لكل منهن تجربة مختلفة وعصر مختلف كذلك، لكن تبقى سوركتي هي الاكثر بريقاً ولمعاناً في تلك الفترة تحديداً، إلى جانب آخريات من بينهن غادة عبد الهادي وآخريات.
(10)
العصر الحالي لجيل المذيعات ربما يختلف تماماً عن كل العصور السابقة، ففي هذا العصر اختلفت الكثير من الأنماط الحياتية، وإستبدل المجتمع الكثير من المشاهد السياسية والاقتصادية والثقافية بحيث صارت محاولات تكرار مثل تلك التجارب القديمة للمذيعات الجدد قفزة في الظلام، وشروع علني في الانتحار دون التريث والتحقق من مواطئ القدم، هذا إلى جانب غياب الفهم والدراية بماهية المهنة، ودورها في تثقيف المجتمع عبر سرد معلوماتي وليس مظهر جمالي ربما ظل هو الثابت لدى الكثير من المذيعات اللاتي يقمن بتقديم اوراقهن للعمل في القنوات الفضائية المختلفة.
(11)
الاعلام السوداني في عصره الحالي يشهد تراجعاً كبيراً في تفريخ مذيعات بحجم ليلي المغربي و رفيقات دربها، بينما الصق آخرون بصمات الاتهام بوضوح لبعض القنوات الفضائية متهمينها بعدم المصداقية في اختيار المذيعات الجدد، واعتمادها الكامل على الجمال بحسابات الشاشات العربية التى ربما أثرت بشكل سلبي كبير في ذلك، ودفعت ببعض القنوات الفضائية لإتخاذها كحادي ودليل في السير على طريق الاختيارات، ولعل الحديث السابق لم يعجب الكثير من قادة العمل في القنوات الفضائية السودانية مؤخراً، فخرج عدد منهم للاعلام رافضاً تماماً مايتردد حول ان مقاييس الاختيار للمذيعة تتم حسب جمالها، بينما رفض آخرون التعليق على الموضوع بأعتبار أنه (مثير للجدل)، لتبقى خانة التقييم لمذيعات العصر الحالي حائرة وتائهة تماماً مابين ارتداء بعض القنوات لنظارات سوداء تخفي ماتجيش به العيون، ومابين عدم وجود أي مؤسسات تدريبية جادة تقوم بمنحهن الادوات اللازمة للسير في طريق إعلامي ربما يعتبر الاخطر خصوصاً عبر البث المباشر أو (اللايف).
(12)
المشاهد السوداني بطبعه ذكي ولماح جداً، ولعل هذا ماجعل غالبتيه العظمى يرفض تماماً فكرة المقارنة مابين جيل المذيعات الحالي وذلك الجيل القديم، لأسباب عديدة منطقية لخصها بعضهم في إختلاف الثقافات والعصر والادوات وحتى القناعات، وهو ماقد يعقد من مهمة البحث عن تقييم مناسب لعدد من تجارب المذيعات في هذا العصر، واللائي اشتهر بعضهن (بإثارة الجدل) فقط، دون إثارة الكوامن الثقافية التى يبدو انها لاتزال تنام منذ زمان ليلي المغربي وعفاف صفوت ورائدات جيل المذيعات الذهبي، وربما ستستمر في النوم حتى يلوح في الافق القليل من الإبداع الذى يستحق التوثيق.






