وزير العدل أشاد بموقفها
النقابات الدولية على الخط..
توسيع دوائر الفعل خارج القنوات الحكومية التقليدية..
الكرامة:علم الدين عمر
حرب السودان.. رؤية من بوابة الحقيقة
من التضامن إلى الضغط المنظّم: تحول نوعي في أدوات الدفاع عن الدولة
النقابات تضع الصمت الدولي في قفص الإتهام
جرائم موثّقة ونظام عالمي مأزوم
الحراك النقابي رافعة إستراتيجية لإعادة تعريف الحرب
زيارة قيادات الحركة النقابية الدولية للسودان مثلت تطوراً نوعياً في مسار المواجهة الخارجية التي تخوضها الدولة السودانية، في واحدة من أعقد الحروب التي شهدتها المنطقة..وفي ظل التضليل السياسي والإعلامي الموجه ..
وزير العدل..الدكتور عبد الله درف أشاد بالزيارة التي قام بها محمود أرسلان.. نائب رئيس الكونفدرالية الدولية للنقابات.. وجويل أخاتور.. الأمين العام للكونفدرالية الأفريقية للنقابات.. تعكس إدراكاً رسمياً متقدماً لطبيعة المرحلة..ولأهمية توسيع دوائر الفعل خارج القنوات الحكومية التقليدية.. نحو مساحات المجتمع المدني الدولي..حيث تتشكل المواقف..وتُبنى الضغوط لمحاولة إختراق جدار الإنكار الدولي..
النقابات خارج القوالب النمطية
لوقت قريب كان التعامل مع الحركة النقابية.. خصوصاً في السياق الدولي.. باعتبارها كياناً مهنياً محدود التأثير السياسي.. محكوماً بأجندات مطلبية ضيقة.. غير أن التجربة التاريخية في جنوب أفريقيا و أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية.. أثبتت أن النقابات يمكن أن تصبح أحد أخطر وأهم الفاعلين..
خلال الإجتماع الذي أستضافته قاعة شركة النيل الكبرى بمدينة بورتسودان..برئاسة د. سر الختم الأمين عبدالقادر رئيس الإتحاد العام لنقابات عمال السودان أعاد وزير العدل تعريف هذا الدور..حيث شدّد على أن الحركة النقابية ليست طرفاً حكومياً لكنها في الوقت ذاته ليست كياناً محايداً أمام الجرائم والإنتهاكات.. فالحياد.. في مثل هذه السياقات هو تنصّل عن الالتزام الصارم بالقانون الدولي..وبحقوق الإنسان..وبحماية المدنيين.
زيارة في توقيت حرج
تأتي أهمية الزيارة في توقيتها و مضمونها.. فالسودان يخوض حرباً متعددة المستويات..عسكرية ضد مليشيا متمردة..وسياسية ضد داعميها الإقليميين..وحرب أخري إعلامية ضد ماكينة تضليل دولية نجحت..لفترة.. في تشويه حقيقة الصراع.
وصف وزير العدل هذه الزيارة بأنها “شجاعة” في مناخ دولي يتسم بالحذر المفرط.. والازدواجية الصارخة في المعايير.. يصبح مجرد الحضور إلى السودان والإستماع للرواية من داخل الميدان موقفاً سياسياً بحد ذاته..ورسالة كسر للعزلة التي حاولت بعض الأطراف فرضها.
تفكيك الرواية المضللة
أحد أخطر الأسلحة التي استُخدمت في الحرب على السودان كان أختزال الصراع في كونه حرباً بين جنرالين..هذه الفرضية التي روّجت لها المليشيا وداعميها وعلى رأسهم دولة لم تكن بريئة.. بل صُممت بعناية لنزع الطابع الجنائي عن الإنتهاكات الممنهجة وتحويلها إلى “صراع سلطة” داخلي يُسوغ الصمت الدولي..ويُعفي الداعمين من المساءلة..اللقاءات التي عقدتها القيادات النقابية الدولية مع المسؤولين السودانيين..وفي مقدمتهم وزير العدل.. أسهمت في تفكيكها عبر عرض موثّق لحقيقة ما جرى.. عدوان شامل على الشعب السوداني.. إستهدف المدنيين.. والبنية التحتية.. والنسيج الإجتماعي.. في إطار مشروع سياسي – إقتصادي يتجاوز حدود السودان.
جرائم بلا لبس قانوني
الأرقام التي طُرحت خلال الإجتماع تجاوزت الإحصاءات لتحديد أدلة جنائية على نمط ممنهج من الجرائم..مذبحة ود النورة التي راح ضحيتها (313) مدنياً بينهم نساء وأطفال…مجزرة ود عشانا التي قُتل فيها (250) من الأبرياء..
سلسلة انتهاكات في النيل الأبيض وسنار..التطهير العرقي المنظم في الجنينة بحق قبيلة المساليت.. بما في ذلك سحل والي غرب دارفور خميس أبكر.. والتمثيل بجثمانه.. ودفن الشباب أحياء في حي أردمتا..كنماذج للإنتهاكات الممنهجة التي جري أستعراضها..
هذه الوقائع..كما أكد وزير العدل..موثّقة بالكامل..وقدمت إلى مجلس الأمن الدولي مدعومة بتقارير وتحقيقات صحفية دولية..وصور أقمار صناعية..وشهادات ناجين..
الصمت الدولي..عجز أم تواطؤ؟
رغم هذا السجل الثقيل..ظل الموقف الدولي متردداً إن لم يكن متواطئاً.. فالدول الكبرى..التي ترفع شعارات حقوق الإنسان.. قدّمت مصالحها الإستراتيجية والإقتصادية على مناصرة الضحايا.. ولم تتخذ خطوات حقيقية لوقف تدفق السلاح.. أو محاسبة الداعمين الإقليميين للمليشيا..
وذهب وزير العدل إلى أبعد من ذلك..حين وضع هذا الصمت في سياق أزمة أعمق تضرب النظام الدولي نفسه.. حيث بات القانون الدولي الإنساني في موضع إختبار مع إستمرار الإنتهاكات وتوثيقها كسوابق خطيرة.. حتى من قادة دول كبرى..ما أفقد المنظومة الأممية كثيراً من هيبتها ومصداقيتها..
جامعة ييل والفضاء كشاهد إدانة
الإشارة إلى توثيقات جامعة ييل الأمريكية مثلت نقطة تحول بالغة الأهمية..لأن التوثيق للجرائم تم عبر تقنيات الإستشعار الفضائي.. وترصد أنماط القتل الجماعي من خارج حدود الدول..يصبح الإنكار مستحيلاً.. وتنتقل المعركة من مستوى الادعاء إلى مستوى الإثبات العلمي..
تتعاظم مسؤولية الحركة النقابية الدولية..متجاوزة التضامن.. لتحويل هذه الأدلة إلى أدوات ضغط سياسية وقانونية داخل بلدانها.. وعبر المنصات الدولية التي تمتلك فيها حضوراً وتأثيراً معتبراً..
الحراك النقابي: مسار بديل وفاعل
أهمية هذا الحراك تكمن في كونه يفتح مساراً موازياً للمسارات الدبلوماسية التقليدية..أقل خضوعاً للمصالح الحكومية المباشرة وأكثر إرتباطاً بالقيم والعدالة الإجتماعية..
فالنقابات قادرة على التأثير في البرلمانات وصناع القرار..
على تحريك الرأي العام العالمي..
والدفع بإتجاه لجان تحقيق مستقلة وفضح إزدواجية المعايير في التعاطي مع الجرائم.
بداية تحول إستراتيجي
ما جرى في بورتسودان يمكن قراءته كبداية تحول إستراتيجي في طريقة إدارة السودان لمعركته الخارجية..لأنه تجاوز ردود الفعل..بدأت الدولة تدرك أهمية بناء تحالفات أخلاقية ومهنية.. وتوسيع دائرة الإشتباك السياسي والقانوني مع داعمي الحرب..
معركة طويلة النفس تدور في هذه الأضابير لكن دخول الحركة النقابية الدولية على هذا الخط..بوعي ومسؤولية.. قد يشكل أحد أهم مفاتيح كسر الصمت الدولي.. وتعزيز موقف الدولة السودانية.






