اختتم مباحثاته مع الحكومة وأنهى زيارته للسودان.. التحرّك البريطاني.. بين تغيير المواقف وإعادة التموضع.. تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

اختتم مباحثاته مع الحكومة وأنهى زيارته للسودان..

التحرّك البريطاني.. بين تغيير المواقف وإعادة التموضع..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

تأكيدات بأهمية الحوار وتعزيز التنسيق السياسي والأمني

خبراء :الخطوة إقرار بريطاني بشرعية الحكومة ومجلس السيادة

تحذيرات من أجندات ضغط تتخفّى وراء الخطاب الناعم

اختتمت بمدينة بورتسودان، أمس، جولة المباحثات الثنائية السودانية البريطانية التي استمرت على مدار يومين، وسط تأكيد مشترك من الجانبين على أهمية استمرار الحوار البنّاء وتعزيز التنسيق السياسي والأمني، وتبادل الزيارات بين المؤسسات الرسمية في البلدين، وكانت الحكومة السودانية قد استقبلت وفداً بريطانياً رفيع المستوى برئاسة الفريق أول بحري إدوارد ألغرين، كبير المستشارين العسكريين بوزارة الدفاع البريطانية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بمشاركة المبعوث البريطاني الخاص للسودان ريتشارد كراودر، والملحق العسكري البريطاني بالقاهرة، ومساعد وزير الدفاع البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعضوية المبعوث البريطاني للقرن الأفريقي، وتأتي الزيارة في إطار الانخراط مع السودان حول عدد من القضايا، على رأسها دعم الأمن والاستقرار وبحث مسار العلاقات الثنائية وسبل تطويرها.
دلالات عميقة
ويحمل حرص الوفد البريطاني على لقاء رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، دلالات سياسية عميقة، تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي إلى إعادة ترتيب الموقف البريطاني تجاه شرعية مؤسسات الدولة السودانية، فاللقاء وبحسب محللين يعكس إقراراً عملياً من لندن بأن مجلس السيادة يظل المؤسسة الدستورية العليا القائمة على إدارة شؤون الدولة في ظل الحرب، وأن التعاطي معه بات ضرورة سياسية وأمنية لا يمكن تجاوزها، كما يشير هذا التوجه إلى تراجع واضح في سياسة “المسافة الواحدة” التي ظلت بريطانيا تلوّح بها خلال الشهور الماضية، والانتقال نحو الاعتراف بواقع الدولة السودانية ومؤسساتها النظامية بوصفها الطرف القادر على حفظ وحدة البلاد ومنع انزلاقها إلى الفوضى الشاملة.
دهشة مبرّرة
ورغم اللغة الإيجابية التي حملتها المباحثات، فإن الشارع السوداني لم يُخفِ دهشته من التحوّل اللافت في الموقف البريطاني، لا سيما وأن لندن ظلت خلال الفترة الماضية، تُتهم بدعم ميليشيا الدعم السريع وجناحها السياسي المتمثل في تحالف الحرية والتغيير – المجلس المركزي، وسبق لبريطانيا أن استضافت قيادات “قحت” وعلى رأسهم رئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك في أكثر من منبر دولي، كما ارتبط اسم بريطانيا بمواقف عدائية للسودان داخل أروقة الأمم المتحدة، ويستحضر السودانيون في هذا السياق مشروع القرار البريطاني– السيراليوني المشترك الذي طُرح على مجلس الأمن في نوفمبر 2024، والذي حاز موافقة 14 عضواً قبل أن يُجهضه الڤيتو الروسي.
موقف مريب
ويقرأ مراقبون هذا التحول باعتباره محاولة بريطانية لإعادة التموضع في المشهد السوداني، بعد أن أثبتت التطورات الميدانية والسياسية محدودية الرهانات السابقة على قوى مدنية بعينها أو مقاربات لم تنتج استقراراً، ولا أوقفت الحرب، ويرى الخبير الإذاعي والملحق الإعلامي السابق بسفارة السودان بالقاهرة، د. عبد العظيم عوض، إن الموقف البريطاني تجاه السودان ظل مرتبكاً ومثيراً للريبة، وقال في إفادته للكرامة إن لندن لعبت دور حاملة القلم في ملف السودان داخل مجلس الأمن، وقدمت في السابق مقترحات وقرارات وصفها بالهادفة إلى إضعاف الدولة السودانية، من بينها محاولات فرض قيود على الطيران السوداني، مبيناً أن بريطانيا سبق أن دعت لاجتماعات وخرجت ببيانات مشتركة حول السودان لم تُفضِ إلى نتائج عملية، بل فشلت في معالجة جذور الأزمة، مؤكداً أن التحركات البريطانية الحالية تثير تساؤلات أكثر مما تقدم إجابات، وزاد د. عبد العظيم: “لا أرى أملاً كبيراً في معالجات موضوعية من الجانب البريطاني، فالتجربة السابقة لا تبعث على الثقة، خاصة مع اقتراب تولي بريطانيا رئاسة مجلس الأمن الشهر المقبل”، وحذر من أن الخطاب الدبلوماسي الناعم قد يخفي وراءه أجندات ضغط جديدة تُمارس باسم المدنيين أو العمل الإنساني.
خاتمة مهمة
على كلٍّ فقد كشفت المباحثات السودانية البريطانية التي اختتمت أعمالها عن محاولة جادة من لندن لإعادة فتح قنوات التواصل مع الخرطوم من بوابة المؤسسات الرسمية، في اعتراف ضمني بتغير موازين الواقع السياسي والعسكري، غير أن هذا التحول، على أهميته، يظل محاطاً بحذر مشروع في ظل سجل بريطاني مثقل بالمواقف المتناقضة، وبين الترحيب الرسمي والدهشة الشعبية، يبقى السؤال معلقاً حول ما إذا كانت لندن بصدد مراجعة حقيقية لسياساتها تجاه السودان، أم أنها مناورة دبلوماسية مؤقتة تفرضها حسابات مجلس الأمن وتوازنات الإقليم، وفي كل الأحوال، فإن اختبار النوايا سيظل مرهوناً بالفعل لا بالتصريحات، وبقدرة المجتمع الدولي، وفي مقدمته بريطانيا على دعم سيادة السودان ووحدة مؤسساته، لإدارة أزمته من الخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top