رؤى وأفكار
ابراهيم الصديق علي
ملهاة اللقاءات السياسية
(1)
في الأخبار أن مجموعة من القوى السياسية ألتقت رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان للتباحث حول الشأن السياسي ، ولا بأس من ذلك ، مع ثلاث ملاحظات مهمة في مفتتح الأمر:
وأولها التوقيتات ، ففي يوم 25 اكتوبر 2025م ، كانت بعض أطراف هذه القوة في لقاء مع البرهان ، في ذات الوقت الذي كانت فيه موجة ثانية من هجوم مليشيا آل دقلو الارهابية ومرتزقتها على مدينة بارا ، والآن في ذات الوقت الذي تتحرّك فيه عدة متحركات لأهداف عسكرية مختلفة تجتمع بعض أطراف تلك القوى السياسية مع البرهان بينما القوات المسلحة في طريقها إلى الدلنج ، فأيهما أولى بالتركيز والمتابعة؟ هل القضايا السياسية المعروفة والمكرّرة أم توظيف الجهود والطاقات للمعركة؟..
وثانيها: ارتباط الحراك السياسي والفاعلية بلقاءات السلطة الحاكمة ، وكأنها مبتدأ الأمر ومنتهاه ، وليس تقصيراً شنيعاً في العملية السياسية ، فحسب ، بل ربما يعطي مؤشراً لغياب الرؤية السياسية ، فهذه الأحزاب جعلت معركتها الأساسية (مشاركتها في أجهزة الحُكم) ، ودون حتى العودة للقواعد الشعبية والرأي العام ، فبعد ثلاث أعوام من الحرب ثمّة متغيّرات كثيرة.
وثالثها: أن فترة الانتقال وحكومة الانتقال ذات مهام (تسييرية) وقضايا (مرحلية) وليس من شأنها الدخول في تحديد المستقبل السياسي للبلاد وفي ظني – أنها ليست مخولة بذلك ، والأوفق تركيز جهدها في قضايا الأمن والاستقرار والعودة للمواطنين من اللجوء والنزوح وتوفير الخدمات العامة وإعادة مؤسسات الخدمة العامة ، وهو هدف يتطلّب مشاركة كل القوى دون محاصصات سياسية وتنازع المواقف.
(2)
الراهن السياسي محكوم بجملة مؤثّرات ، داخلية وخارجية ، وهو أمر معلوم دون شك ، ويقتضي تشاوراً مع قيادة الدولة ، وفق منظورات وطنية وواعية ، وتستصحب جملة من الحقائق والشواهد:
وأولها: أن القوات المسلحة وبحكم وضعها الدستوري ووظيفتها ليست معنية بالمسارات السياسية ، فهي ضامنة وحارسة للانتقال السياسي ، وليست شريكة فيه ، وبالتالي فإن القوى السياسية والمدنية والمجتمعية هى من تقرّر خيارات الحكم وأولوياته ومراحله ، وربما من الأوفق أن يمر ذلك عبر حوار مجتمعي يقوده رئيس الوزراء دكتور كامل ادريس وفريقه ويبقى رأس الدولة مشرفاً ورمزاً سيادياً وبعيداً عن التجاذبات السياسية..
ومما أشرنا له في تحليل سابق أن البرهان نفسه قد حل اللجنة السابقة المكلفة بهذه المهمة (الفريق الكباشي والفريق العطا وعضو مجلس السيادة عبدالله يحي) ، مع أنها أجرت حوارات واسعة وشملت الكثير من الطيف السياسي ، وذلك قناعة منه أن المرحلة تقتضي التركيز على مهام الانتقال..
وثاني النقاط المهمة ، أن إجراء حوار مع أطراف دون أخرى مبعث للخلاف ، وقد تابعنا احتجاج قوى سياسية ، وتابعت بياناتها واخرى أبدت انزعاجاً ، فالأولى أن تجرى الحوارات في فضاء مفتوح وحول قضايا معلومة ، لا يمكن بعد كل التضحيات الجسام التى قدّمها شعبنا وأهلنا أن تحدّد مصيره جهة ما دون تفويض مباشر ، فالأفضل توسيع المشاركة الشعبية والوطنية وأجندتها ، فهذا أبلغ تعبيراً عن الإرادة الشعبية وأوفى هدفاً..
وثالث النقاط ، أن قضية التشريع في هذه المرحلة على محدوديتها تم التوافق عليها بإجتماع مجلسي السيادة والوزراء ، وهذا كاف لقضايا هذه المرحلة ، بينما الأولى بناء أجهزة الحكم في المحليات والولايات وتكوين المفوضيات ، ومساهمة الأحزاب في تماسك النسيج المجتمعي والتماسك الوطني.




