حديث السبت يوسف عبد المنان: بعد أن أصبح الهمس جهراً.. ماوراء الصراع الذي وأد لجنة إبراهيم جابر؟!

حديث السبت
يوسف عبد المنان:

بعد أن أصبح الهمس جهراً..

ماوراء الصراع الذي وأد لجنة إبراهيم جابر؟!

هل يعود التوم هجو لواجهة السلطة ؟

أفضل للبرهان أن يبقي إلى جواره الأقوياء وأهل النظر

1
شهدت نهايات الاسبوع الماضي أحداثاً عصفت بعضو مجلس السيادة سلمى عبدالجبار المبارك التي تقدّمت باستقالتها في واقعة تعتبر حدثاً نادراً ببلادنا التي خيّمت عليها حكومات وحكومات ولكن قل أن يتقدّم مسؤول في هذا البلد باستقالته من منصبه مهما تعاظم خطأه وهلكت بذلك أنفس وخسرت البلاد أموالاً ولكن عضو مجلس السيادة سلمي عبدالجبار كفرت عن خطئها بالاستقالة وذهبت لبيت زوجها أو والدها بنفس راضية وإحساس بالفخر لأنها لم تكابر وتظن أنها من الخالدين في كرسي في الأصل بلا سلطة تنفيذية وبلا صلاحيات كبيرة ولكنه منصب شرفي مثل منصب ملكة بريطانيا بيد أن رئيس مجلس السيادة يمثّل رئيس جمهورية في بلد تحكمها وثيقة دستورية مختلة أصابها المرض منذ ميلادها لأن من وضع الوثيقة الدستورية من المدنيين والعسكريين حظهم في معرفة كيفية وضع الدساتير لجد فقير وخرجت الوثيقة أقرب للوثيقة السياسية منها لدستور بلد عرفت بتقلّبها في الدساتير ولم تستقر على جادة الطريق منذ أكثر من نصف قرن، كل دبابة تخرج من مخبئها وتسطو على الحكم في هجعة الليل تمزّق الدستور وتاتي بآخر ،وكل ثورة تطيح بالعسكر تتفتّق عبقرية قادتها لدستور جديد ولم يعرف في التاريخ السوداني استقراراً للحكم ورسوخاً لدستور ،ولذلك جاءت وثيقة قوى الحرية والتغير معتلة ضعيفة وقد بان ضعفها وهزالها من خلال ممارسات السنوات التي مضت وأصبحت الوثيقة نفسها معضلة كبيرة تحول دون إصلاح الحكم .
وتعدّدت رؤوس الدولة ومراكز القوي داخل السلطة الانتقالية وماحادثة سلمى إلا قليل من كثير من الممارسات التي تفتقر إلى المسؤلية الأخلاقية من بعض حكامنا ،وابن خلدون عالم الاجتماع الشهير يقدّم تعريفات للحكام فيقول الحكام ثلاثة حاكم منا وحالكم فينا وحاكماً علينا ،ونحن الي الحالة الثالثة ننتمي وقيل لنا ان سلمى عبدالجبار تم اختيارها من أعلى لتمثيل أهل الوسط والجزيرة ، ولكن في الممارسة مثّلت بهم في عرصات الأراضي وفجاج الأرض وقيل أن رصاص وعبدالله يحي يمثّلون دارفور ونوارة تمثل أوشيك وأدروب وأوهاج ويبقى الشمال بلا ممثل وكذلك كردفان إلا اذا اعتبرنا شمس الدين كباشي لايمثل المؤسسة العسكرية ولا ياسر العطا كذلك وجاء إختيارهما في مجلس قيادة الانقلاب لتمثيل جهات جغرافية لا وحدات عسكرية وكانت الإنقاذ عند تشكيل مجلس قيادة انقلابها الذي صار من بعد ثورة بالأمر الواقع قد مثّلت كل الأقاليم باستثناء شرق السودان الذي تم تمثيله بضابط في البحرية صلاح كرار ونال الجنوب ثلاثة أعضاء بيويوكوان الذي لايزال اسمه محفوراً في واحد من شوارع الخرطوم وتلك فضيلة للشعب ولحكومات ولاية الخرطوم المتعاقبة التي لم تغيّر الاسم بعد انفصال الجنوب ورحل دومنيك كاسيانو بخيت بالمرض ،وعاش الجنرال الوسيم الجميل مارتن ملوال أروب حتى نشبت حرب “١٥” أبريل تبعه التجاني آدم الطاهر وانطوت صفحة الإنقاذ في الواقع وبقيت في سفر التاريخ الذي لن يظلم أحداً مهما تطاولت السنين وتعاقبت الأيام.
ولكن رفقاء درب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالإنقاذ بعد ثورة الشباب التي اجتاحت الخرطوم من أجل التغيير القسري، بعد رفض البشير التغير الاختياري حافظت قيادتها على التماسك الظاهري بعد استقالة عوض بن عوف وإرغام الآخرين على مغادرة المشهد مثل عمر زين العابدين ورفاقه خرجوا من السلطة وأسفهم في عيونهم وبقي النجوم الأربعة وهم الأكثر قرباً من بعضهم على الأقل لأهل الظاهر لا الوالغين في علم الباطن من الحاشية والمقرّبين والمقرّبات ولكن في كل تبدو الأشياء غير الأشياء ويبقى أن تماسك البرهان وشمس الدين كباشي وياسر العطا وإبراهيم جابر فرضته فقط حرب منتصف أبريل وإذا ما وضعت الحرب سلاحها فإن ذهاب بعضهم أمر في حكم المؤكّد.
2
تضاربت الأقوال بشأن مصير لجنة الفريق إبراهيم جابر التي صدر قرار تشكيلها من مجلس الأمن والدفاع الوطني ولم يصدر القرار من مجلس السيادة وفي ذلك إختلال واضطراب آخر في ممارسة السلطة فهل مجلس الأمن والدفاع الذي يرأسه الفريق البرهان سلطة أعلى من مجلس السيادة؟ وهل للمجلس سلطة أبوية فوق السلطة المدنية التنفيذية؟ لقد عُرف عن مجلس الأمن القومي سلطات عسكرية وأمنية وليس سلطات مدنية؟ فكيف حدث ذلك وحتي لانظلم الجنرال إبراهيم جابر وهو شخصية صارمة لها همة كبيرة وقد ضحى بظل القبيلة والانتماء الضيق للرزيقات ووقف مع قومية القوات المسلحة وسند الفريق البرهان في الليالي السود وهو متحدّث بارع باللغة الإنجليزية والعربية ورجل دولة حقيقي حقّق لولاية الخرطوم ماكان صعباً على الوالي أحمد عثمان حمزة تحقيقه في ظروف شديدة التعقيد، ولكن اللجنة مثلها وكل الأشياء في السودان جاء تكوينها مخالفاً لدستور البلاد حيث ارتضى رئيس الوزراء الذي هو الرئيس التنفيذي الأول في البلاد والرجل الثاني في الدولة من حيث الترتيب المراسمي بأن يصبح نائباً لرئيس اللجنة وبدأت اللجنة أعمالها بهمة ونشاط في غياب مجلس الوزراء عن العاصمة وبعد عودة رئيس الوزراء والحكومة الاتحادية كان حرياً باللجنة أن تكتب تقريرها (وتلملم) أوراقها وتضعها أمام رئيس الوزراء وتعلن إنتهاء مهامها وتكتب تقريراً لرئيس مجلس السيادة بانتهاء أعمالها بعد وصول رئيس الوزراء للخرطوم ولكنها لم تفعل حتى جاء خطاب لمياء عبدالغفار وزير شئون مجلس الوزراء بمنع الوزراء حضور اجتماعات اللجنة وأي لجان أخرى لم يصدر قرار تشكيلها من رئيس الوزراء ذلك روح الخطاب لا نصه وإذا غاب أعضاء مجلس الوزراء سيغيب تلقائياً ممثلي الكهرباء والمياه وبالتالي تموت اللجنة واقفة ولم يبق للجنرال إلا والي ولاية الخرطوم وأعضاء حكومته وبالتالي تموت اللجنة واقفة وهي أصلاً ماكانت لتنهض بأعمال تنفيذية لولا الفراغات التي تعتري جسد الحكومة المدنيه التي تعلقت آمالنا بها،ولكنها حتى الآن لم تحقّق على الأقل نصف مانصبوا إليه ولم يفقد الشعب بعد آماله في حكومة الأمل لكنه لن يصبر طويلاً على سلحفائية الأداء.
وضاعف من إحباط الناس حديث الفريق إبراهيم جابر عن تبديد الحكومة المدنية للمال بغير وجه حق وتمثّل ذلك في إيجار عقارات في الخرطوم بالدولار وذلك يخالف مبدأ هام جداً في التعامل بالعملة الوطنية وتلك مسؤلية بنك السودان، وإذا كانت الحكومة لاتعظّم عملتها الوطنية ربما شهدنا غداً بيع الطماطم والأقاشي بالدولار وبالتالي يسقط الجنيه السوداني من جيوب الناس قهراً.
ولكن هل علم الجنرال إبراهيم جابر بواقعة إيجار مقارات حكومية بالدولار بعد يوم الأربعاء الماضي؟ ام قبل ذلك ولماذا لم يتحدّث إلا أخيراً ؟ مما يجعل حديثه يخرج من سياق الإصلاح الي التشهير بمن خالفه وتبدّى مظهر الصراع إلى العلن بما يضر بصورة الحكم في البلاد مما يستدعي تدخّل الرئيس البرهان لا الوقوف مراقباً مثلما كان البشير يضحك على من هم دونه من القيادات وهم يصطرعون حتى سقط حكمه وأصبح من النادمين.
3
إستقالة سلمى عبدالجبار المبارك التي قيل أن الرئيس البرهان قد قبلها يوم تقديمها تفتح الباب واسعاً لتصحيح خطأ تجاوز شخصية التوم هجو الذي يمثّل واحداً من صنّاع التغيير في الخامس والعشرين من أكتوبر الذي يطلق عليه انقلاب عند قوم حمدوك وكان متوقعاً ومرتقباً أن يرفّع التوم هجو ومبارك أردول ،ويجد مبارك الفاضل موقعاً في الدولة ولكن جميعهم تم إبعادهم من المشهد وأصبح مبارك الفاضل الآن من الراكبين سرج الإمارات والممتطين جواد التدخّل الأجنبي في السودان بينما أردول حافظ على شعرة معاوية مع البرهان بأخلاق رفيعة ولكنه كسياسي يبحث عن دور له حيث يطيب المقام وتلتقي الأهداف وقد عاد أخيراً ونشط في لقاءات شمس الدين كباشي لأن أردول رقم في كردفان بخدمة ضراعه وعرق جبينه ،أما عودة التوم هجو فهي مثل عودة طائر الشفق الغريب عند الشاعر هاشم صديق وهو صاحب كسب جماهيري حيث تم فحصه واختباره في انتخابات عام ١٩٨٦م وجاء بدائرة جغرافية للحزب الإتحادي الديمقراطي الذي لم يغادره التوم هجو حتى الآن ولكنه ضاق بالطائفية سلوكاً وبالحزبية ممارسة وأختار التحالفات الجبهوية العريضة وجاء بمسار الوسط في اتفاقية جوبا ولكن ذهبت خيرات الاتفاقية القاعدين على القائمين ورفع البرهان سلمي عبدالجبار على حساب التوم هجو الذي يمثّل صوتاً عالياً وبريقاً ربما لايطيقه الآخرين، لكن أفضل للبرهان أن يبقي إلى جواره الأقوياء لا الضعفاء وأهل النظر لا الجالسين في أرصفة الشارع السياسي في البلاد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top