حدود المنطق..
بين التخوين وإدارة الدولة… لماذا يُستهدف الكباشي؟..
إسماعيل جبريل تيسو..
لاحظتُ أنه في كل مرة يتردد فيها اسم الفريق أول ركن شمس الدين كباشي في سياق لقاء مع أحد الفاعلين الإقليميين أو الدوليين المرتبطين بقضية الحرب والسلام في السودان، تنطلق موجة من التأويلات والاتهامات، وكأن مجرد الجلوس إلى طاولة الحوار أصبح جريمة تستوجب المحاكمة، أو كأن البحث عن مخارج للحرب تهمة تستحق التخوين.
هذه المرة جاء الجدل عقب تسريب معلومات عن لقاء جمع الكباشي بمستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، في القاهرة، نهاية يونيو الماضي 2026م، وذلك لبحث عدد من ملفات العملية السياسية المرتبطة بمجريات الأوضاع في السودان، وما أن تسرب خبر اللقاء، حتى امتلأت منصات التواصل بقراءات متعجلة، بعضها ذهب بعيداً في رسم سيناريوهات لا تستند إلى وقائع، متجاهلاً حقيقة أساسية، وهي أن الدول تُدار بالمؤسسات، لا بردود الأفعال.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يصبح الفريق شمس الدين كباشي هدفاً دائماً كلما تحرك خارجياً أو أجرى لقاءً مع مسؤول دولي؟ ولماذا يُنظر إلى كل جهد سياسي أو دبلوماسي باعتباره خروجاً على الثوابت الوطنية، بينما هو في جوهره أحد أدوات إدارة الصراع التي تلجأ إليها جميع الدول؟
قناعتي أن الحروب لا تُدار بالبندقية وحدها، مهما بلغت أهمية الانتصارات العسكرية، فالميدان يحتاج إلى جهد سياسي يسانده، وإلى دبلوماسية تشرح مواقف الدولة، وتبني جسور التواصل مع القوى المؤثرة، وتحشد الدعم لمواقفها، وتغلق الأبواب أمام الضغوط التي قد تستهدفها، ومن يعتقد أن الدولة تستطيع أن تخوض حرباً معزولة عن العالم، فإنه يتجاهل طبيعة العلاقات الدولية وتعقيدات الأزمات الحديثة.
الأهم من ذلك أن الفريق أول ركن شمس الدين كباشي ليس سياسياً مستقلاً يتحرك وفق اجتهاداته الشخصية، بل هو ضابط جيش محترف، وعضو في مجلس السيادة، نشأ داخل مؤسسة عسكرية تقوم على الانضباط الصارم واحترام التراتبية العسكرية، ومن يعرف طبيعة القوات المسلحة السودانية يدرك أن مثل هذه اللقاءات لا تُعقد بقرارات فردية، ولا تُدار بمعزل عن القيادة العليا.
بل إن المعلومات المتداولة نفسها تؤكد أن رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، كان على علم باللقاء، واطلع على مخرجاته، وأبدى تأييده لما تم التوصل إليه، وهذه الحقيقة وحدها تكفي لإسقاط ونسف كل الروايات التي تحاول تصوير الأمر وكأنه تحرك منفرد أو مبادرة شخصية خارج مؤسسات الدولة، وبالتالي فإذا كان اللقاء قد جرى بعلم القيادة العليا وتنسيقها، فإن الأولى أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من إدارة الدولة، لا خروجاً عليها.
وليس من الحكمة أن يتحول كل اتصال خارجي إلى معركة داخلية، لأن ذلك يربك مؤسسات الدولة أكثر مما يخدمها، ويبعث برسائل سلبية إلى المجتمع الدولي بأن السودانيين يختلفون حتى على حق ممثلي دولتهم في التواصل مع الآخرين.
إن الدفاع عن الوطن لا يكون فقط بحمل السلاح، وإنما أيضاً بحسن إدارة السياسة، وقراءة موازين القوى، والتعامل مع المجتمع الدولي بما يحفظ مصالح السودان وسيادته، فالسياسة ليست نقيضاً للقوة العسكرية، بل هي شريكها الطبيعي، وكثيراً ما كانت نتائج الميدان تُستثمر على طاولات التفاوض والدبلوماسية.
لقد دفعت بلادنا ثمناً باهظاً لهذه الحرب، ولا أحد يملك ترف إغلاق كل النوافذ التي قد تفتح طريقاً نحو إنهائها وفق الشروط التي تحفظ سيادة السودان، وتصون كرامة شعبه، وتثبت هيبة مؤسساته، أما تحويل كل محاولة للتواصل مع العالم إلى مناسبة للتخوين، فلن يخدم إلا استمرار الأزمة وإطالة أمدها.
ويبقى المعيار الحقيقي لأي لقاء أو تحرك سياسي ليس مكان انعقاده، ولا اسم من شارك فيه، وإنما ما يحققه من مكاسب للوطن، أما إطلاق الأحكام قبل معرفة الوقائع، فهو أقرب إلى إدارة الخلاف بالعاطفة منه إلى قراءة المشهد بعقل الدولة.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى ترسيخ ثقافة الثقة في مؤسساته الوطنية، وإلى إدراك أن رجال الدولة لا يتحركون فرادى، وإنما ضمن منظومة متكاملة من المسؤوليات والاختصاصات، وعندما نمنح الشائعات مساحة أكبر من الحقائق، فإننا نُضعف جبهتنا الداخلية بأيدينا، بينما تقتضي المصلحة الوطنية أن يكون النقاش قائماً على المعلومات والنتائج، لا على الظنون والانطباعات، وأخيراً وليس آخراً فإن رجل الدولة لا يبحث عن التصفيق، بقدر ما يبحث عن المصلحة الوطنية، وقد يخسر معركة الرأي العام اليوم، لكنه يعمل من أجل أن يكسب الوطن معركة المستقبل، فما لكم كيف تحكمون.





