تمر اليوم الذكرى الثانية لتحرير مقر الإذاعة والتلفزيون
استعادة “الحوش”.. عودة صوت الوطن
“12” مارس يتجدّد الاحتفاء بنهاية فصل مظلم عاشته الهيئة
خبراء: التحرير شكَّل منعطفاً مهماً في معركة الكرامة الوطنية
دمار كبير لحق بالمباني والاستديوهات ..جرائم المليشيا
عبد العظيم عوض : لابد من تنفيذ البرنامج المصمّم للتطوير
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تمر اليوم الخميس الذكرى الثانية لتحرير مباني الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون في أم درمان، التي أعلن الجيش السوداني استعادتها في الثاني عشر من مارس 2024م، بعد معارك ضارية وعنيفة خاضتها القوات المسلحة والقوات المساندة لها ضد ميليشيا الدعم السريع التي كانت قد سيطرت على المقر منذ تمردها في 15 أبريل 2023م، عن طريق وضع اليد، حيث كان الدعم السريع قبل ذلك ضمن القوات المُكلَّفة بحراسة عدد من المنشآت الاستراتيجية والحيوية في ولاية الخرطوم، ومن بينها مقر الهيئة العام للإذاعة والتلفزيون في أم درمان، غير أن الميليشيا حوَّلت المقر لاحقاً إلى ثكنة عسكرية وموقع تمركز رئيسي لها، كما استخدمته معتقلاً واسعاً احتجزت فيه المئات من المدنيين والعاملين في المؤسسة، وبحسب شهادات ومعلومات متداولة آنذاك، فقد تعرضت مرافق الهيئة وأجهزتها لعمليات نهب وتخريب، حيث جرى عرض بعض معدات الإذاعة والتلفزيون للبيع في الأسواق، في مشهد أثار صدمة واسعة لدى الرأي العام السوداني الذي ينظر إلى المبنى بوصفه أحد أبرز رمزيات الدولة الحديثة.
تحرير السيادة الوطنية
في يوم الثلاثاء 12 مارس 2024م أعلن الجيش السوداني رسمياً تحرير مقر الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون في أم درمان من قبضة ميليشيا الدعم السريع، بعد عمليات عسكرية مركزة دارت في محيط المبنى والمناطق المجاورة له، وجاء الإعلان في وقت كانت فيه المعارك محتدمة في مدينة أم درمان، حيث تمكنت القوات المسلحة من استعادة السيطرة على الموقع الذي ظل تحت سيطرة ميليشيا الدعم السريع، لتطوي بذلك صفحة واحدة من أبرز معارك الرمزية في حرب الخرطوم، وكانت الميليشيا قد حولت مقر الهيئة إلى قاعدة عسكرية وموقع احتجاز للمدنيين، الأمر الذي ضاعف من أهمية استعادته، باعتباره منشأة إعلامية، ورمزاً من رموز السيادة الوطنية وذاكرة الدولة السودانية.
تحوّل استراتيجي
وبإجماع خبراء عسكريين فإن تحرير مباني الإذاعة والتلفزيون، مثّل نقطة تحول استراتيجية ومعنوية في مسار المعارك داخل العاصمة، حيث حمل هذا الحدث جملة من الدلالات العسكرية والسياسية المهمة، فقد أدى تحرير المقر إلى تدمير أحد أبرز معاقل ميليشيا الدعم السريع في أم درمان، وأسهم في إخلاء الشريط النيلي الممتد من منطقة كرري وحتى سلاح المهندسين من وجود قواتها، وهو ما منح القوات المسلحة أفضلية ميدانية مهمة، وأسهمت عملية تحرير مباني الإذاعة والتلفزيون في كسر الحصار الذي كان مفروضاً على عدد من الوحدات العسكرية الحيوية، وعلى رأسها السلاح الطبي، الأمر الذي أعاد فتح خطوط الإمداد اللوجستي للقوات المسلحة وسهّل تحركاتها القتالية، ويحمل المبنى في الوجدان السوداني قيمة رمزية كبيرة، إذ يمثل منبراً إعلامياً وطنياً عريقاً ظل لعقود لسان حال الدولة والمجتمع، لذلك فإن استعادته أعادت جزءاً مهماً من رمزية الدولة وهيبتها، وأظهرت المعارك التي سبقت التحرير قدرة الجيش على تنفيذ عمليات دقيقة وتدمير عدد كبير من آليات الدعم السريع، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على بداية تحول في ميزان القوى داخل الخرطوم.
دمار صادم
والواقع أن صورةً صادمة لحجم الدمار الذي لحق بالمباني والاستديوهات ومرافق التشغيل، قد تكشفت عند دخول القوات المسلحة إلى مجمع الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، فقد تعرَّضت أجزاء واسعة من الهيئة للتدمير الكامل، كما تضررت الأجهزة والمعدات الفنية بشكل كبير، ولم ينجُ منها سوى القليل، ومع ذلك، لم تتوقف الإرادة المهنية والوطنية للعاملين في المؤسسة، فبعد فترة وجيزة من التحرير تمكن التلفزيون السوداني من إعادة تشغيل استديو الأخبار الذي كان يقدم نافذة يومية عبر نشرة التاسعة مساءً، من خلال بث مشترك مع المحطة المؤقتة في مدينة بورتسودان، ومع بدء عودة مؤسسات الدولة تدريجياً إلى الخرطوم، عاد التلفزيون للعمل من استديوهاته الرئيسة في أم درمان، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على تعافي المؤسسات الإعلامية، أما الإذاعة السودانية فقد استأنفت لاحقاً بعض برامجها من مبناها القديم في أم درمان عبر بث مشترك مع استديوهاتها المؤقتة في مدينة عطبرة، في تجربة جمعت بين العمل الميداني والبدائل التقنية، وفي تطور لافت، شهد شهر رمضان الحالي انطلاق البث الرسمي لقناة النيل الأزرق الفضائية من مقر الهيئة في أم درمان، باعتبارها إحدى شركاء (الحوشين)، وهو الاسم الذي اشتهر به مباني الإذاعة والتلفزيون بين الإعلاميين.
حضور كبار المسؤولين
وأعقبت عملية تحرير مباني الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، زيارات ميدانية لعدد من كبار المسؤولين في الدولة إلى مقر الهيئة، في رسالة سياسية ومعنوية ذات دلالات واضحة، فقد زار الموقع رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، كما قام رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس بجولة مماثلة، إضافة إلى الفريق إبراهيم جابر رئيس اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم، بالإضافة إلى والي ولاية الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، وقد أكدت هذه الزيارات على رمزية المبنى باعتباره أحد معالم السيادة الوطنية، فضلاً عن وقوف هؤلاء المسؤولين ميدانياً على حجم الدمار الذي لحق بالمؤسسة، وبحث سبل إعادة إعمارها.
لحظة تأريخية
ويرى الخبير الإذاعي الدكتور عبد العظيم عوض، المدير السابق للبرنامج العام بالإذاعة السودانية، أن تحرير مباني الإذاعة والتلفزيون يمثل لحظة تاريخية في مسار استعادة مؤسسات الدولة، وحيّا عوض في إفادته للكرامة شهداء القوات المسلحة والقوات المساندة الذين بذلوا أرواحهم في سبيل استرداد هذا الرمز الوطني، كما ترحم على زملاء المهنة من الإعلاميين الذين فقدوا حياتهم خلال هذه الحرب، وأشار إلى أن الزيارات التي قام بها كبار المسؤولين للمبنى بعد تحريره تعكس إدراك الدولة لقيمة هذه المؤسسة ودورها في تشكيل الوعي الوطني، وطالب الخبير الإذاعي بضرورة إدراج مشروع إعادة بناء مقر الإذاعة والتلفزيون ضمن مشروعات إعادة إعمار ما دمرته الحرب، على أن يتم تشييده وفق طراز معماري حديث يواكب التطور الذي شهدته المؤسسات الإعلامية في العالم، وزاد: “إعادة البناء يجب أن تشمل إدخال أحدث التقنيات الرقمية ومعدات الإنتاج والبث، حتى تنطلق الهيئة من موقع جديد يواكب تطورات الصناعة الإعلامية”، ونوّه دكتور عبد العظيم إلى وجود خارطة وأرواق خاصة ببرج كانت الهيئة قد صممته ليكون مقراً جامعاً للإذاعة والتلفزيون ومكاتب لوزير الثقافة والإعلام، مبدياً تفاؤله وثقته في أن تعود الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون أقوى مما كانت عليه، وأن تستعيد دورها التاريخي بوصفها منبراً وطنياً عمل طوال أكثر من سبعين عاماً على توحيد وجدان السودانيين، وصهرهم في بوتقة الانتماء للوطن.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فبعد عامين من تحرير مباني الإذاعة والتلفزيون، يتضح أن هذا الحدث لم يكن مجرد عملية عسكرية لاستعادة منشأة حكومية، بل كان لحظة رمزية عميقة في مسار الحرب السودانية، فالمبنى الذي ظل لأكثر من سبعة عقود صوت الدولة وذاكرتها الإعلامية تحول خلال الحرب إلى ساحة صراع على المعنى والرمزية، وعندما استعادته القوات المسلحة، بدا الأمر وكأن الدولة تستعيد جزءاً من صورتها وهيبتها، ورغم حجم الدمار الذي لحق بالمؤسسة، فإن عودة البث التدريجية، واستئناف العمل من داخل (الحوشين)، تعكس قدرة المؤسسات السودانية على النهوض من تحت الركام، وبين ذاكرة الحرب وأمل إعادة الإعمار، تبقى الذكرى الثانية لتحرير الإذاعة والتلفزيون علامة فارقة في مسيرة استعادة الدولة السودانية لمنابرها السيادية، وصوتها الذي طالما جمَّل وجدان السودانيين، أثيراً وشاشة.






