شيّعت “17” شهيداً جرّاء المسيرات
قرية شكيري .. مجزرة جديدة
أطفال ونساء وطلاّب ضمن الضحايا..جرائم التمرّد
قصف الأعيان المدنية بالنيل الأبيض .. استهداف لليوم الرابع
خبير : نقل للحرب من المواجهة العسكرية إلى ساحة المجتمع المدني
تقرير: هبة محمود
لليوم الرابع على التوالي واصلت مليشيا الدعم السريع استهدافها للأعيان المدنية والعسكرية في ولاية النيل الأبيض، وذلك من خلال غارات جوية شنتها بالطائرات المسيرة استهدفت قرية شكيري بمحلية أم رمتة صباح أمس الأربعاء، ما تسبّب في وقوع خسائر فادحة في الأرواح.
تفاصيل مأساوية لعشرات الضحايا من أطفال ونساء وطلاب وكوادر صحية، سقطوا جراء الهجوم المسير، الذي طال عدداً من المرافق الخدمية والتعليمية والصحية داخل القرية، التي ينتفي فيها أي وجود للمظاهر العسكرية وفق شهود عيان.
فبحسب المعلومات الأولية للحادثة أمس فقد استهدفت المليشيا القرية بنحو “4” مسيرات، أصابت كل من مدرسة شكيري الثانوية، ومستشفى القرية والمركز الصحي.
وأكد شهود عيان أن الضربات التي نفّذتها المليشيا تسبّب في حالة من الذعر والهلع بين السكان، خاصة مع ضعف الإمكانيات الطبية وصعوبة نقل المصابين إلى مراكز العلاج لتتحول القرية الهادئة إلى مشاهد من الفوضى والألم، إذ حولت المسيرات سكون المكان إلى ضجيج دامي.
استهداف الأعيان المدنية
في آخر إحصائية لشبكة أطباء السودان للأحداث في المنطقة، فإن عدد الضحايا بلغ “17” شخصاً من بينهم نساء وأطفال وطلاب وأساتذة وكادر صحي، وهو ما اعتبرته الشبكة ـ تحولاً خطيراً ـ في بنك أهداف المليشيا، التي لم تعد تفرق بين الأهداف العسكرية والمرافق المدنية، سيما المرافق الصحية التي تقدم خدماتها للمدنيين.
وبحسب المتحدّث الرسمي باسم الشبكة د.رزان المهدي فإن الاستهداف هذا يمثل امتداداً للإنتهاكات التي ترتكبها مليشيا الدعم السريع في ولاية النيل الأبيض، إذ استهدفت خلال اليومين الماضيين عدداً من المرافق المدنية، من بينها داخلية طلاب ومحطة كهرباء ام دباكر وعدة أحياء سكنية.
واعتبر مراقبون أن ما تقوم به المليشيا أعمال تصعيدية تسعى من خلالها إلى زعزعة استقرار المناطق الآمنة، دون اعتبار للقانون الدولي الإنساني، لكن الأخطر مافيها هو أنها باتت تستهدف الاعيان المدنية والصحية دون اكتراث للمدنيين بعكس نهج استهدافها للمرافق العسكرية والمنشآت الخدمية مثل محطات توليد الكهرباء.
استمرار الجرائم
وأتى استهداف قرية شكيري بعد ساعات من استهداف المليشيا محطة أم دباكر الحرارية بالولاية إذ تعرّضت لهجوم بطائرة مُسيرة ، مساء الاول ما أدى إلى أضرار في المنشأة وإندلاع حريق جزئ بالمحطة وتسبب في انقطاع التيار الكهربائي في عدة مناطق بالولاية.
والأحد استهدفت داخلية طلاب في مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض بعد أيام من استهداف منشآت مدنية في ربك، مما أدى إلى وقوع إصابات وسط المدنيين.
وازاء هذا الاستهداف أصدر رئيس لجنة الأمن بمحلية كوستي، هشام الشيخ، قراراً يقضي بمنع إقامة أي تجمعات أو فعاليات ثقافية داخل المحلية، كإجراء احترازي لحماية المدنيين والمرافق الحيوية، لكن المليشيا واصلت استهدافها المدنيين.
شهداء شكيري..تفاصيل
وأدى الهجوم الغادر على قرية شكيري إلى استشهاد خمسة أشخاص في الحال داخل المدرسة من بينهم مدير المدرسة، بالإضافة إلى استشهاد خمسة شهداء في مستوصف الحياة منهم امرأتان وثلاثة رجال.
ومن بين المتوفين بحسب الإحصاءات “5” من طلاب الشهادة السودانية.
وكشفت مصادر عن أن المدرسة التي استهدفتها المليشيا أمس تعتبر تجمّعاً لمدارس الشهادة السودانية في المنطقة، وتضم مركزاً لامتحانات الشهادة السودانية.
وحسب مصادر “الكرامة” أسماء المتوفين على النحو التالي:
الدكتور وهب الله عمارة – محمد الريح- عبدالله محمد الريح – جادالسيد الطيب دلميت- حسن الصديق خمجان- حمودي حماد – عبدالله بطران- عوض السيد محمد زين ناصر محمد زين – علوية محمد زين – صهيب محمد محمد زين – محمد محمود نور محمد زين – ود عبدالوهاب فضل الله – بنت عبدالله القاموس- استاذ مكي- وآخر يعمل في المعمل
أما قائمة الجرحى فضمت:
عبدالوهاب فضل الله -سامي فضل الله – متولي بخيت وداللقد- ودمحمد نور ود سعد- عبدالله ابرادعه-ود ابشيبه من العشره-ود امين محمد زين.
مطالبات بتصنيف المليشيا
وطالب ناشطون وحقوقيون بضرورة تصنيف المجتمع الدولي المليشيا منظمة إرهابية لما تقوم به من انتهاكات حيال المدنيين في السودان.
وأمس الاول أدانت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بشدة استمرار مليشيا الدعم السريع، في اعتداءاتها على الأعيان المدنية والبنى التحتية الحيوية في السودان باستخدام الطائرات المسيّرة.
وأشارت في بيان الى استهدافها مُدن الأبيض وكوستي والدلنج، فيما قالت إنه تصعيد خطير يُجسد نمطاً متكرراً من الجرائم التي تستهدف المدنيين.
وأكدت الوزارة أن هذه الهجمات تمثل انتهاكاً جسيماً وصارخاً للقانون الدولي الإنساني وكافة الأعراف والمواثيق الدولية التي تحظر استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، كما تشكّل جرائم حرب مكتملة الأركان تستوجب المساءلة والمحاسبة وفقاً للقانون الدولي.
وشدّدت على أن هذه الاعتداءات ليست أحداثاً معزولة، بل تأتي في إطار نهج إجرامي متعمد تسعى من خلاله المليشيا إلى تقويض استقرار الدولة وترويع السكان واستهداف المرافق الحيوية والخدمات الأساسية.
وطالبت الخارجية السودانية المجتمع الدولي، وفي مقدمته الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الإقليمية، باتخاذ موقف واضح وحازم يدين هذه الجرائم بشكل صريح، والعمل دون إبطاء على اتخاذ إجراءات فعالة لوقف الاعتداءات وضمان محاسبة مرتكبيها ومن يقف وراء دعمهم أو تمويلهم.
إثيوبيا.. منصات الإطلاق
في المقابل يرى خبراء عسكريون أن مليشيا الدعم السريع تسعى لفتح جهات أخرى من خلال استهداف ولاية النيل الأبيض عبر مسيرات تنطلق من داخل دولة إثيوبيا، على غرار الاستهداف الذي طال ولاية النيل الأزرق الايام الماضية.
و الاسبوع الماضي اتهمت الحكومة السودانية رسمياً إثيوبيا بانتهاك سيادتها، من خلال إطلاق طائرات مسيرة تم رصدها من الأراضي الإثيوبية تتعامل مع أهداف داخل السودان.
وقالت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في بيان إن هذا السلوك العدائي مستنكر ومرفوض، ويمثل انتهاكاً سافراً وعدواناً صريحاً لسيادة السودان، محذرة السلطات الإثيوبية من مغبة هذه الأعمال العدائية.
حرب نفسية قذرة
من جانبه يرى الخبير الأمني اللواء أمين إسماعيل مجذوب أن مليشيا الدعم السريع تسعى من خلال هذه الهجمات اشغال القوات المسلحة، وتشتيتها عن الحرب في كردفان،
فضلا عن فتح جبهة في هذه الولاية انطلاقاً من النيل الأزرق إذ تعتبر هي الاقرب جغرافياً لها.
وقال أمين في إفادة لـ” الكرامة ” أن المسيرات التي تستهدف النيل الابيض تنطلق من تنطلق من الأراضي الأثيوبية ومن داخل المعسكر الذي يقع في منطقة بني شنقول.
ويذهب في ذات الوقت إلى أن المليشيا تسعى لتعويض خسائرها وذلك بنخق هذه الولاية التي تعتبر غنية بالبترول، فضلا عن بث الرعب داخل نفوس المواطنين وتخويفهم من العودة وعدم منحهم الاحساس بالامان، لافتا إلى أنها إحدى سياسات الحرب النفسية ..
وتابع: المليشيا تحاول جاهدة لإثبات وجودها وعدم الرضوخ للهزيمة، كما أنها تسعى لإفشال الموسم الزراعي.
تحوّل تكتيكات الحرب
فيما يرى العميد دكتور جمال الشهيد، الخبير العسكري والإستراتيجي، أن تكرار استهداف مليشيا الدعم السريع للأعيان المدنية بولاية النيل الأبيض خلال الأيام الماضية يعكس تحولاً واضحاً في طبيعة تكتيكاتها القتالية بعد التراجع الميداني الذي مُنيت به في عدد من مسارح العمليات، الأمر الذي دفعها إلى تبني أسلوب الحرب غير المتكافئة عبر استهداف المؤسسات المدنية والخدمية في محاولة لإحداث أكبر قدر من الأثر النفسي والإعلامي وسط المواطنين.
ويشير العميد الشهيد في إفادة لـ الكرامة إلى أن قصف المدرسة الثانوية بقرية شكيري الواقعة على بعد نحو أربعين كيلومتراً شمال مدينة الدويم يمثل حلقة جديدة في سلسلة استهداف الأعيان المدنية في الولاية، وذلك بعد أيام قليلة من استهداف جامعة الإمام المهدي ومحطة أم دبيكرات للكهرباء. ويؤكد أن ما جرى في قرية شكيري لم يكن مجرد حادث عابر، بل عملية قصف متعمدة.
ويرى أن اختيار توقيت القصف خلال ساعات الدراسة الصباحية يحمل دلالة واضحة على تعمد إيقاع أكبر قدر من الخسائر وسط المدنيين، خصوصاً الطلاب والمعلمين، الأمر الذي يضاعف الأثر النفسي والاجتماعي لمثل هذه العمليات، ويكشف أن الهدف لا يقتصر على الجانب العسكري بقدر ما يركز على إحداث صدمة مجتمعية واسعة.
ويلفت العميد جمال الشهيد إلى أن لجوء المليشيا المتزايد إلى استخدام الطائرات المسيّرة يمثل مؤشراً مهماً على انتقالها إلى مرحلة جديدة من الحرب تعتمد على الوسائط التكنولوجية منخفضة التكلفة نسبياً لتعويض تراجع قدرتها على تنفيذ عمليات برية واسعة النطاق بعد الخسائر التي تكبدتها في العديد من الجبهات.
ويؤكد أن اختيار ولاية النيل الأبيض لم يكن صدفة، فهي تمثل منطقة ذات أهمية استراتيجية لعدة اعتبارات، من بينها موقعها الجغرافي القريب من العاصمة، ودورها كممر لوجستي يربط بين وسط السودان وغربه، إضافة إلى كونها منطقة استقرار نسبي استوعبت أعداداً كبيرة من النازحين خلال فترة الحرب، الأمر الذي يجعل استهدافها ذا تأثير نفسي وإعلامي مضاعف.
ويرى أن هذا النمط من العمليات يعكس في جوهره محاولة من المليشيا لنقل الحرب من ساحة المواجهة العسكرية مع القوات المسلحة إلى ساحة المجتمع المدني، عبر ضرب المدارس والجامعات والخدمات الأساسية، وهو ما يؤكد أن المليشيا باتت تراهن على إحداث الفوضى والضغط النفسي أكثر من رهانها على تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة.






