إندياح
داليا الياس
“سيدة النساء”!
لم أتمكن بعد _رغم تعاقب السنوات الأربع المنصرمة_ من إستيعاب رحيل أمي لها الرحمة والفردوس الأعلى!! لقد توقفت ذاكرتي عند حدود تفاصيلها فحسب…فأنا لا أذكر الكثير عن طفولتي المبكرة ولا كلماتي الأولى وخطواتي الأولى ولا كيف كنت ألهو أو أبكي أو أأكل أو أنام؟!!…..بل إنني لا أذكر حتى معظم التفاصيل التي عبرت حياتي بمختلف مراحلها !!! ولكن (أمي ) كانت تذكر !!
فقد كانت ولا تزال وستظل دائماً ذاكرتي القوية وصندوقي الأسود…كانت تحدثني عن أشيائي بحب فأنصت بلهفة….تسرد حكاياتي بتشويق عظيم فاتأملها وأضحك…ربما أبكي حين تحدثني عن أقاصيص صداقاتي القديمة وتتلو على مسامعي أسماء عديدة تساقطت مع الأيام ونسيتها أو تناسيتها لدواع الألم والخذلان ولكنها أبداً لم تنس!!….كيف لا وهي التي كانت تهيم حباً بأحبائي وتستشيط غضباً من أولئك الذين أوغرت صدورهم تجاهي دون ذنب؟!!.
كانت هي وحدها من ينصرني ظالمةً او مظلومة بالدعم والمناصحة…. تفرح لسعادتي وتكاد تجن لأحزاني وأوجاعي……تنصب نفسها حارسي الأمين وحصني الحصين…مهندس أيامي ومدير أعمالي….مستشاري الأول ومربية أبنائي…
وعلى مر السنوات…والأفراح والأتراح والنكبات والنجاح…كانت هى الأصدق حباً…والأجزل عطاءاً… والأكثر جلداً..والأطول صبراً.. والأطيب قلباً…والأشهى طعاماً.
كانت هي المن والسلوى..والدعاء والنجوى…والملاذ والمأوى…
كانت ولا تزال… وآحتي وراحتي…نوارتي…ومنارتي…وطرق جنتي…. معلمتي…وصديقتي…منها
أغلى ممتلكاتي…ولها أبلغ كلماتي..
سيدة السماح..والصبر…والحنان…أمي.
وكل عام وهى بخير في فردوسها الأعلى بإذن الله…كل عام وهى كما هي بين جنبات قلبي…تاجاً لرأسي…ومصدر فخري وركيزة أيامي.
(أمي)…سيدة الصمود والطيبة….الشامخة فى وجه الأزمات والأسقام والأهوال….المصلوبة على حوائط الأسى…تتوسد وسائد الحزن والسهر ثم تنهض باكراً لتصنع لنا (شاي) السعادة مصحوباً بالدعوات الطيبات الصادقات.
(أمي)…التي كان يؤرقها وجعي وشجني فتظل ساهرة حتى الصباح بينما أنام….تمعن فى التخطيط لمستقبلي بينما تتقاذفني أهوائي ولا مبالاتي…تقرأ كلماتي وتنتقدني….تبلغها نجاحاتي فتهنئني….وتسمع نحيبي فينفطر قلبها وتعلن حالة الطوارئ القصوى!! فهل تراها علمت ما طالني من عذاب فراقها ؟..هل تسمع ندائي وأنا أبثها شوقي وإفتقادي؟!!
إنني لعمري مدينة لهذه المرأه في عليائها بالعديد من الإعتذارات….فدعوني أعتذر لها علناً عن طيشي وجنوني طوال عمري…وعلى تمردي وعنادى وقراراتي الخاطئة…وعلى شقاوتي وإستهتارى حيناً وعلى كوني لم أكن أبداً كما تمنت ذات يوم.
أعتذر عن ليالى السهد ونهارات الكدح …..عن إنكفاءتها المزمنة على (ماكينة الخياطة)بينما أستمتع انا بحكايات إحسان عبد القدوس والسباعى ورجل المستحيل وأهيم بكاظم الساهر وفيروز..!!! أعتذر عن سوء تقديري وجهلي بحجم معاناتها وتعبها اللذان لم أدركهما الا بعد أن مضيت قدماً فى طريق الأمومة وهى كانت دائماً أيضاً بجانبي تشد من أذري وتوجهني وتحمل عني فى كثير من الأحيان ذات الأعباء مضاعفةً.
أعتذر عن أخطاء فادحة أو صغيرة إرتكبتها عن قصد أو دون قصد ودفعت هى ثمنها مضاعفاً …أعتذر عن إنشغالي عنها وكوني لم أتزود برفقتها لرحيلها المر.
أمي الحبيبة الراحلة المقيمة…كل عام وأنت في رحاب الله تنعمين برحمته…وتسبحين داخل دمي بذات الطيبة واللطف والبشاشة وحسن المعشر والمرونة والذكاء والثقافة والمهارة فى كل شئ…
كل عام وأنتِ محمودة السيرة.. شاهقة المقام… صادقة الذكريات…وإن كنت لم أستطع على الفراق صبرا…فعزائي أنك عند مليك مقتدر….والجنة موعدنا بإذن الله.
#تلويح
كل الأحزان تبدأ (كبيرة) ثم (تصغُر) … ولكن حزني يا أمي (ينخُر) !!!






