المليشيا ادعت مهاجمة الجيش للمرفق
مستشفى الضعين ..جرائم مركبة
محاولة يائسة لإخفاء حقيقة مآسي إنسانية دامية
الجيش: هجمات التمرّد على المرافق المدنية ممارسة مستمرة
شهادات صادمة تكشف تصفية آل دقلو للجرحى
مراقبون: التضليل الإعلامي سلاح التمرّد
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
شهدت عطلة عيد الفطر المبارك مأساة إنسانية مروِّعة شهدتها مدينة الضعين حاضرة ولاية شرق دافور التي تعرَّض مستشفاها التعليمي لعملية استهداف بمُسيَّرة أودت بحياة عدد من المواطنين ومنسوبي المليشيا، حيث أثارت الحادثة موجة واسعة من الغضب والاستنكار، وسط اتهامات متبادلة بشأن الجهة المنفّذة، فبينما سارعت مليشيا الدعم السريع إلى اتهام القوات المسلحة السودانية بالوقوف وراء القصف، تشير معطيات ميدانية موثوقة وشهادات محلية إلى رواية مغايرة، تضع مليشيا الدعم السريع في قفص الاتهام المباشر .
الجيش ينفي
ونفت القوات المسلحة السودانية الاتهامات التي تداولتها مليشيا الدعم السريع ومؤيدوها بشأن مهاجمة الجيش لمستشفى الضعين، مؤكدة أن هذه المزاعم “عارية من الصحة، وقال الجيش في بيان إن القوات المسلحة “قوة نظامية تلتزم بالقوانين والأعراف الدولية”، مشيراً إلى أن استهداف المنشآت الصحية والخدمية “ليس من نهج الجيش السوداني”، بل هو “سلوك متكرّر” من جانب مليشيا الدعم السريع، التي سبق أن هاجمت مستشفيات في الأبيض والدلنج وكادقلي وأم روابة والرهد والدبة، ما أدى إلى سقوط ضحايا من المرضى والكوادر الطبية، إضافة إلى استهداف مرافق المياه والكهرباء في عدد من المدن، مبيناً أن الهجمات على المرافق المدنية “ممارسة مستمرة” من قبل ميليشيا الدعم السريع، مشيراً إلى الانتهاكات الجسيمة في الفاشر ودارفور، والتي تشمل جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، ودعا بيان الجيش، المنظمات الحقوقية والمدنية والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية عبر إدانة هذه الانتهاكات، ومحاسبة الجهات المتورطة في خرق قرارات مجلس الأمن، إضافة إلى العمل على وقف مصادر التسليح التي تُستخدم في ارتكاب هذه الهجمات.
شهادات ومصادر
وكشفت مصادر مطلعة وشهود عيان بمدينة الضعين عن تفاصيل صادمة، ووصفت ما جرى داخل المستشفى بأنه (عملية تصفية داخلية مدروسة) نفّذتها قيادات في مليشيا الدعم السريع للتخلّص من عبء الجرحى والمصابين، وبحسب هذه المصادر، فإن الطائرة المُسيّرة التي استهدفت المستشفى انطلقت من داخل ولاية شرق دارفور، مستهدفة بشكل دقيق عنابر الجرحى الذين تم إجلاؤهم مؤخراً من معارك الفولة، وأشارت المعلومات إلى أن المليشيا تعاني من انهيار شبه كامل في الخدمات الطبية ونقص حاد في الكوادر والمستلزمات، ما جعل مئات الجرحى عبئاً لوجستياً ثقيلاً، دفع القيادة وفق الشهادات لاتخاذ قرار “التخلّص منهم بدم بارد”، وأكد شهود عيان أن مسار الطائرة كان منخفضاً وقصيراً، ما يعزّز فرضية انطلاقها من داخل مناطق سيطرة المليشيا، وليس من مواقع تابعة للجيش، كما لفتت المصادر إلى تكرار حوادث مشابهة طالت عناصر وقيادات سابقة، في نهج يهدف إلى: التخلّص من الجرحى غير القادرين على القتال، وإلصاق التهمة بالقوات المسلحة لكسب تعاطف خارجي.
إدانة دولية
ودانت منظمة الصحة العالمية الهجوم على مستشفى الضعين التعليمي، وقال تيدروس أدهانوم جيبريسوس إن مستشفى الضعين التعليمي تعرّض لقصف مباشر، ألحق أضراراً جسيمة بأقسام الأطفال والأمومة والطوارئ، مبيناً أن عدد الوفيات المرتبطة بالهجمات على المرافق الصحية في السودان تجاوز 2000 حالة منذ اندلاع الحرب، مؤكداً أن الرعاية الصحية لا ينبغي أن تكون هدفاً أبداً، وأن السلام هو أفضل دواء، داعياً إلى خفض التصعيد وضمان حماية المدنيين والعاملين في المجال الصحي والإنساني.
نمط متكرر
وبإجماع مراقبين فإن حادثة استهداف مستشفى الضعين، تعكس نمطاً متكرراً من الحرب المركبة التي لا تُخاض فقط بالسلاح، بل أيضاً عبر التضليل الإعلامي وصناعة الروايات، وهو نهجٌ ظلت تتخذه مليشيا الدعم السريع منذ اندلاع تمردها في 15 أبريل 2023م، حيث عمدت مليشيا آل دقلو وفق تقارير متعددة تعتمد على استراتيجية مزدوجة تعمل من خلالها على تنفيذ عمليات ذات طابع انتهاكي ضد المدنيين والبنية التحتية باستهداف المستشفيات كما حدث لمستشفى (النو ) بأم درمان، واحتلال عدد من المستشفيات من بينها مستشفى الولادة ( الدايات) بأم درمان، وتحرص المليشيا علي مرافقة انتهاكاتها بحملات دعائية تهدف إلى تحميل المسؤولية للقوات المسلحة، حيث شملت الانتهاكات بحسب مصادر ميدانية وحقوقية، استهداف الأحياء السكنية والمرافق الخدمية، وتحويل المدارس ودور العبادة إلى مواقع عسكرية، وارتكاب فظائع موثقة في مدن مثل الجنينة والفاشر، وتبدو حادثة الضعين امتداداً لهذا النهج، حيث تتقاطع الأهداف العسكرية مع محاولات كسب الرأي العام الدولي عبر إدارة الاتهام وتوجيهه سياسياً.
صناعة الأكاذيب
ويرى الناشط الاجتماعي وصانع المحتوى والباحث في تراث المسيرية المهندس أحمد سليمان قور، أن مليشيا الدعم السريع مفطورة على صناعة الأكاذيب والتضليل، ونوه قور في إفادته ل(الكرامة) إلى أن اتهام القوات المسلحة بقصف المستشفى يأتي في هذا السياق، مبينا أن الحقيقة وفقاً لمتابعاته تشير إلى أن قيادة المليشيا هي من أصدرت أوامر القصف للتخلص من المصابين، مؤكداً أن هذا النمط تكرر في عدة مواقع، وقال إن عدداً من عناصر الميليشيا أنفسهم اشتكوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي من الإهمال، مشيرين إلى غياب الرعاية الطبية، ووجود تمييز في نقل بعض المصابين للعلاج خارج البلاد، مقابل ترك آخرين لمصير مجهول في مناطق النزاع، وأشار قور إلى أن إطلاق المُسيّرات من داخل الميليشيا لتقتل عناصرها ثم توجيه الاتهام للجيش، يمثل نهجاً متكرراً، مضيفاً أن استهداف المدارس ورياض الأطفال في حوادث سابقة يعزز هذا الاتهام.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فإن مأساة مستشفى الضعين التعليمي تكشف عن مستوى بالغ الخطورة من الانحدار الإنساني في مسار الحرب بالسودان، حيث تتحوّل المنشآت الصحية – التي يفترض أن تكون ملاذاً آمناً، إلى مسارح للقتل والتصفية، دون مراعاة للمدنيين والمرضى الذين يمثلون الضحية الأولى والأخيرة في هذا الصراع، ودون اعتبار للقانون الدولي والإنساني الذي يحرِّم استهداف المرافق الصحية ويعتبرها انتهاكاً صارخاً، كما أن التضليل الإعلامي بات جزءاً لا يتجزأ من أدوات الحرب التي تستخدمها مليشيا الدعم السريع بعد أن فقدت البوصلة بفقدان الدعم والإسناد، وتلقِّي الهزائم في مختلف المحاور وجبهات القتال بالبلاد.






