حاطب ليل
د. عبداللطيف البوني
فدرالية فشنك
الدولة الوستفالية أي تلك التي ظهرت في أوروبا بعد صلح وستفاليا 1648م وإن شئت قل الدولة القطرية نشأت نشأة طبيعية هناك لأنها قامت على قوميات كانت متحاربة …فكان قيام الدولة للفصل بين تلك القوميات لإنهاء الحروبات التي تطاولت ..ثم تحول الصراع الذي كان دائراً بينها داخل أوروبا الي خارجها فكان التوسع الامبريالي أو ما سمى الظاهرة الاستعمارية …
المستعمر أقام نموذجه الوستفالي في أفريقيا بعد أن مزّقها على الورق في مؤتمر برلين الذي رعاه بسمارك …دون مراعاة للواقع الافريقي الذي كان غير قابل لذلك النموذج الأوروبي …ففي أوروبا قامت الدولة على القومية بينما في أفريقيا مزّقت الدولة القوميات التي موجودة قبل قيامها … فكان الأمر كأنك حاولت زراعة نبتة في بيئة لاتناسبها من حيث التربة والمناخ …هكذا نشأت الدولة الوستفالية في أفريقيا ضعيفة معتلة مرتبكة ممزّقة تعاني من الحروبات الداخلية والبينية لا تنمية اقتصادية ولا استقرار سياسي ولا أمن ولا سلام …
فالمفاهيم والأفكار عند وضعها على أرض الواقع تتطلب معطيات معينة لكي تؤتي ثمارها الا ستكون مشوهة عرجاء ضررها أكبر من نفعها ..
بعيداً عن التجريد نأخذ لذلك مثلاً الفدرالية وإن شئت قل الدولة الاتحادية وهي فكرة نتجت من تضخم الدولة المركزية التي استاثرت بكل المداخل وهمشت الأقاليم خارج العاصمة فكانت الفكرة أن تستأثر كل منطقة أو ولاية أو إقليم سمه ماشئت بموارده وبالتالي يقدم كل الخدمات من صحة وتعليم وتطوير اقتصادي وحفظ أمن لدرجة استخراج الجواز والأوراق الثبوتية … يعني (زيته في بيته) وتظهر الدولة الأم في قوة الدفاع الموحدة اي الجيش والعلاقات الخارجية واللغة الرسمية والعلم والنشيد الجمهوري ومنهج التعليم الموحّد والفريق القومي والذي منه ،يعني ممسكات الوطن كثيرة .. كل ذلك وفقاً لحسابات مالية معينة تختلف من دولة إلى أخرى كل ذلك تحت قاعدة (أكلوا اخوان واتحاسبوا تجار).
اها تعال شوف عندما استلفت دول العالم الثالث فكرة الفدرالية بحجة تقليص الظل الإداري فإذا بها تشوهها وتعذب بها مواطنيها وتجعلها ما نافعة ببصلة …كيف ؟ قوم قسم الدولة إلى أقاليم واجعل لكل إقليم حكومة وفي كل حكومة والي ووزراء وبرلمان ومكاتب وبيوت وسيارات فارهة تسبقها تشريفات ويو ويو واعلام ترفرف وتقول لهم تاني مافي زول يسألني من صحة أو تعليم أو أي شي … بينما تجعل كل دخل الدولة مركزياً الجمارك القيمة المضافة عائد البترول والذهب وكل الصادر بحجة أن المركز هو المسؤل عن الجيش والبوليس والعمل الدبلوماسي…
طيب من أين للولايات الأموال التي تدير بها شئونها ؟ حركوا الاقتصاد استنبطوا الموارد …أين هذه الموارد ؟ أين الزراعة الحديثة أين مدن الإنتاج الحيواني أين المصانع ؟ ياخي حتى صادر الزراعة التقليدية وصادر الحيوان وكل الواردات عائدها عندك في المركز …خلاص نسمح ليكم بإصدار التشريعات المالية لتكون عندكم ضرائبكم …الضرائب على كناتين الأسواق وعتب البيوت ؟ هذة لا تسوى شي …طيب خلاص ندعمكم من المركز ونشيل مرتبات الأطباء والمعلمين وكده …طيب الوظائف الأخرى والوظائف الدستورية ؟ياخي استنبطوا انا اديتكم حق التشريع المالي لبرلمانتكم وحتى مجالس المحليات تشرع وتشيل….
اها الجماعة تلفتوا جاي جاي ما لقوا حاجة عندها قروش في جيبها الا المتحركات في الطريق من شاحنات وعربات وبصات وحافلات وبكاسي وركشات ووصلت الكوارو جمع كارو والترلات التي تجرها الحصين والحمير (ياجماعة ليه ما عندنا بغال؟) بالمناسبة البغلة أحسن من الحمار والحصان بكتير في التحميل والصبر على المكاره لكن بس بتأكل كتير .
أها الجماعة وقعوا ليك في ممارسة حق التشريع المالي وهاك يا ضرائب على المتحركات ..ضريبة ولائية وضريبة محافظة وضريبة محلية و زكاة وضريبة حياة برية وضريبة مؤقتة لحفر سايفون بيت الوالي باسم إعمار الولاية اما مخالفات المرور فاسكت ساكت ..وهاك يا صفافير .. ذات مرة أحصيت إيصالات شاحنة حملت صمغ من الأبيض الي بورتسودان فوجدت ٥٤ إيصالاً …هذا من غير الغمت التحت تحت…فماذا كانت النتييجة أكاد أجزم بأنها تحطيم اقتصادي كامل وان شاء الله سوف أفصّل فيه غداً ..
إذن ياجماعة الخير الفدرالية المطبقة عندنا …عبارة عن بمبة كبيرة ..فدرالية شكلية …علم (بيرق) وقلم بدون رصيد مالي فماذا يفعل غير أن يشغل قلمه وبيرقه في قطع الطريق …ياخي إنت ما أديتني حقي في بقرتي التي تصدرها …عشان كده بشيل حقي فيها وهي راكبة في العربية واكان ما عجبك خليها تموت في صندوق العربية …كدا بتأخر عملية الصادر وتزيد التكلفة وتطلع الصادر من المنافسة ..إن شاء الله ما تجيب التعريفة انت قاعد تديني منها حاجة …أنا أشيل حقي حديدة
اها يا جماعة الخير هذا هو الواقع فما هو العمل … شن الدبارة ..الحل شنو ؟ اعجل حل إلغاء حق إصدار تشريعات مالية لكل الجهات والمؤسسات واحتكارها للمركز …ثانياً تعليق التجربة الفدرالية وإعلان دولة مركزية مع حكم محلي مدروس كذلك الذي جرّبه جعفر بخيت …ويلا قوم يا عاطل شوف شغلك… بلا والي بلا معتمد بلا لمة ..ضابط إداري ومجلس محلي ..ودقي يا مزيكا ..






