د.عبد اللطيف البوني يكتب: كثرة الهبات وقلة المهديات

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

كثرة الهبات وقلة المهديات

السادس من أبريل سيظل يوم غير عادي في تاريخ السودان الحديث ..إذ شهد نهاية نظامين سياسيين وبداية عهدين جديدين …فالسادس من أبريل 1985م كان يوم اعلان نهاية عهد المشير جعفر محمد نميري… بعد ست عشرة عاماً كان النميري معتلياً عرش الرئاسة في السودان …أما السادس من أبريل عام 2019م.. فقد شهد نهاية عهد المشير عمر حسن أحمد البشير بعد ثلاثين عاماً من حكم السودان …ففي هذين اليومين انتهى نظام حكم عسكري بواسطة ثورة شعبية وإن شئت الدقة قل انتفاضة شعبية… إذ أن كلمة ثورة تعني التغيير الجذري وهذا مالم يحدث في الحالتين المشار إليهما ..ثم ثانياً كان اليومان تقليداً ليوم سابق في تاريخ السودان وهو يوم الحادي والعشرين من شهر أكتوبر 1964م …حيث انتفض الشعب على الفريق إبراهيم عبود بعد ست سنوات أمضاها الفريق في الحكم …الانتفاضات الثلاثة متشابهة لدرجة التطابق من ناحية إجرائية أي من حيث الشكل.. ففي كل مرة من الثلاثة مرات كان هناك حاكماً جاء للحكم عن طريق انقلاب عسكري .. ثم يتطّلع الشعب إلى حاكم مدني فتحدث تظاهرات ثم إضراب عن العمل ثم شكل من أشكال العصيان المدني… وتحدث اعتقالات ثم تنحاز القوات المسلحة للشارع فتتم تنحية الحاكم العسكري وتاتي حكومة انتقالية …لحدي هنا اتفقت الانتفاضات الثلاثة أما بعد ذلك الحكومة الانتقالية في الانتفاضة الثالثة لم تسلم الحكم لحكومة منتخبة كما حدث من الحكوميتين الانتقالتين اللتين سبقتاها …وهذه قصة أخرى ..
أن تواتر ظاهرة الانتفاضات الشعبية في السودان تعطي فرصة لدراسة متعمٍقة تخلص إلى نهايات موضوعية يمكن الخروج منها بمنارات وإن شئت قل خلاصات تساعد كثيراً في إيجاد افضل السبل لحل مشكلة صراع السلطة في السودان …ولكن للأسف حتى الآن لم تنبر جهة أكاديمية أو بحثية لهذا الأمر ولكن في نفس الوقت هناك دراسات أكاديمية ومؤلفات كثيرة تناولت مسالة الانتفاضات السودانية ولكنها مفرقة تحتاج إلى جهد مؤسسي لجمعها ومن ثم استخراج الثمرة المرادة منها .
إن هذه الثورات تدل على حيوية الشعب السودان… وعدم استكانته للأوضاع المتكلسة… وتدل على قدرته على التغيير… ولكن في نفس الوقت تدل على كثرة الانتكاسات بدليل تواتر الانقلابات العسكرية .. فلو الحكومة التي اعقبت انتفاضة أكتوبر نجحت في تثبيت حكم ديمقراطي تعدّدي لما قام انقلاب مايو 1969م ..لذلك قلنا إنها انتفاضة فلو صنعت لنا حكم ديمقراطي مستدام لأصبحت ثورة عالمية أي يمكن أن تُحتذى . ..علماً بأن انتفاضة أكتوبر ساعتها شُبهت بالثورة الفرنسية… على عشم أنها سوف تحدث تغييراً جذرياً يعم كل أفريقيا التي كانت تئن من عدم الاستقرار السياسي …إن دوران الدائرة الخبيثة …حكم ليبرالي انقلاب عسكري ثورة شعبية حكومة انتقالية ثم حكومة منتخبة يتبعها انقلاب عسكري يدل على عدم استقرار سياسي ومعروفة هي نتائج عدم الإستقرار السياسي …ويكفي ما نحن فيه اليوم من توهان ومآسي ….
في أبريل 2019 وبعد نجاح الانتفاضة كتبت مقالاً بعنوان فلنجعلها آخر الثورات… إذ لابد من أن نقطع الدائرة الخبيثة لنمضي في خط مستقيم…إن فرحتنا بنجاح أي تغيير يجب ألا تنسينا إخفاقاتنا في إنجاح ذلك التغيير …
السيد الصادق المهدي طيب الله ذكراه العطرة …عندما طرح الناس فكرة الثورة الشعبية لتغيير نظام الإنقاذ باعتبار أنها وسيلة مجرّبة تمرّست الجماهير عليها … طرح فكرة الهبوط الناعم كوسيلة للتغيير …فهذا يعني أنه يفضل التغيير الاصلاحي بدلاً من التغيير الثوري لأنه في تقدير سيادته أن كلفة التغيير الثوري ستكون عالية… وليت الناس يومها سمعوا كلام سيادته لكان حال البلاد غير ماهي عليه اليوم …إن التغيير سنة الحياة وهو أمر حتمي كما قال الشاعر الجاهلي (من ذا الذي يا سلمى لا يتغير ) فالحجر الأصم هذا إذا وضعته تحت الشمس لمدة الف عام سوف تتغير خصائصه الفيزيائية و ياخذ شكلاً جديداً ،عليه يجب ألا نحجر على أنفسنا ونضيّق واسعاً….فجرّبوا النهج الاصلاحي وذلك بالتوافق على برنامج يخرجنا مما نحن فيه من حروب ودمار وتخلّف …النهج الاصلاحي يستلزم أن يتوافق كل أهل السودان على الذي ينفعهم …ونحن اليوم نحتاج للبرنامج الذي يدفع عنا الضرر …فعلماء الأصول يقولون دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة فالنجرب هذه المرة …فالتكن البداية ليس الذي تتطلّع إليه بل الذي نريد أن نتخلّص منه ولتكن ضربة البداية هذه الحرب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top