استقبلت طلاب الشهادة الثانوية من مدينة الدلنج
كادقلي..امتحان القيم
“7ْ00” طالب وطالبة هربوا بمستقبلهم من جحيم القصف
التعليم يفرض كلمته..تكافل في وقت الحرب
تنسيق بين مؤسسات الدولة ..و إرادة شعبية داعمة
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
في مشهد إنساني مهيب يجسِّد أسمى معاني التكافل والتراحم، استقبلت مدينة كادقلي حاضرة ولاية جنوب كردفان نحو “700” طالب وطالبة قدموا من مدينة الدلنج للجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية السودانية للعام 2026م، وذلك بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة التي تشهدها الدلنج، وجاء وصول الطلاب في ظل ظروف استثنائية فرضتها الهجمات المتكررة التي تعرضت لها المدينة، ليجدوا في كادقلي حضناً آمناً وبيئة مستقرة تتيح لهم مواصلة مسيرتهم التعليمية دون انقطاع.
الدلنج تحت النار
لم تكن مغادرة الطلاب الطالبات مدينتهم الحبيبة خياراً عادياً، بل جاءت نتيجة واقع أمني بالغ التعقيد تجابهه الدلنج، حيث ظلت المدينة خلال الفترة الماضية مسرحاً لهجمات متكررة شنتها ميليشيا الدعم السريع، منفردة، أو بالتنسيق مع قوات الجيش الشعبي التابعة للحركة الشعبية – شمال جناح عبد العزيز الحلو، حيث استهدفت تلك الهجمات الأحياء السكنية والمنشآت الحيوية، بما في ذلك المدارس والمرافق الصحية، مستخدمة القصف المدفعي والدانات والطائرات المسيّرة، في محاولة لإرباك الحياة العامة وشل الخدمات الأساسية، ورغم ذلك، أظهرت الدلنج صموداً لافتاً، حيث تمكنت قواتها المسلحة والمستنفرون من التصدي لأكثر من عشر موجات هجومية، مكبدين المتمردين خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات، بل والاستيلاء على عدد من المركبات القتالية والأسلحة، ولم يمنع هذا الصمود، تسلل تأثيرات الحرب على البيئة التعليمية، الأمر الذي جعل استمرار الامتحانات داخل المدينة أمراً محفوفاً بالمخاطر.
إنقاذ المستقبل
وفي ظل هذه التحديات، اتخذت لجنة أمن ولاية جنوب كردفان، بالتنسيق مع وزارة التربية والتوجيه ولجنة امتحانات السودان، قراراً استثنائياً بترحيل طلاب الدلنج إلى كادقلي، وجرى تنفيذ العملية بطريقة سرية ومحكمة، حفاظاً على سلامة الطلاب، الذين خاضوا رحلة محفوفة بالمخاطر من أجل الوصول إلى وجهتهم، ووفقاً لخبراء تربويين، فقد عكس هذا القرار إدراكاً عميقاً بأن التعليم ليس مجرد حق، بل هو خط الدفاع الأول في مواجهة آثار الحرب، وأن الحفاظ على استمرارية العملية التعليمية يمثل استثماراً مباشراً في مستقبل البلاد.
كادقلي تفتح قلبها
وبمجرد وصول طلاب وطالبات مدينة الدلنج، تحولت كادقلي إلى خلية من العطاء الإنساني، حيث عاش مواطنوها حالة استنفار شعبي غير مسبوقة، ورغم الترتيبات الرسمية التي وفرتها حكومة ولاية جنوب كردفان من سكن وإعاشة، أصر المواطنون على أن يكون لهم دور مباشر في استقبال الطلاب، فتدافع الرجال والنساء من مختلف الأحياء، مقدمين الدعم والمساندة المادية والمعنوية، حيث تحولت كادقلي إلى لوحة إنسانية نابضة، تجلت فيها قيم التعاضد والتكافل التي تميز إنسان جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، حيث لم يُنظر إلى الطلاب كضيوف، بل كأبناء عادوا إلى أهلهم وذويهم، ولم يقتصر هذا التفاعل الشعبي على الدعم المادي، بل شمل الاحتضان النفسي، وهو ما كان له أثر بالغ في تخفيف آثار الصدمة التي خلفتها الحرب في نفوس الطلاب الذين قدموا سرديات مؤلمة لمعاناة حقيقية عاشوها تحت قصف المتمردين فقدوا خلالها أعزاء من أمهات وأباء وأطفال وأشقاء.
إشادة مجتمعية
وأعرب وكيل إمارة كادقلي فخري الدين أحمد شداد، عن سعادتهم الكبيرة باستضافة أبنائهم من طلاب وطالبات الدلنج الممتحنين للشهادة الثانوية السودانية للعام ٢٠٢٦م، وأكد شداد في إفادته للكرامة أن هؤلاء الطلاب قدموا نموذجاً ملهماً في الإصرار على تجاوز التحديات من أجل مستقبلهم الأكاديمي، مثمناً في الوقت ذاته مواقف مواطني كادقلي الذين لبوا النداء بكل فئاتهم، كما أشاد بدور منظمات المجتمع المدني والمؤسسات المختلفة، وعلى رأسها منظمة الجود وغرفة طوارئ كادقلي المركزية، وباسقات جبال النوبة وغيرها في دعم الطلاب وتوفير احتياجاتهم، مبيناً أن هذه الوقفة ستنعكس إيجاباً على أداء الطلاب، وستدفعهم لتحقيق التفوق، مشيراً إلى أنهم يخوضون معركة العلم والمعرفة جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة والقوات المساندة التي تخوض ببسالة منقطعة النظير معركة الكرامة الوطنية.
دلالات عميقة
وبإجماع مراقبين فإن ما جرى في مدينة كادقلي يتجاوز الحدث الإنساني العابر إلى دلالات عميقة تؤكد أن المجتمعات المحلية لا تزال تمثل صمام الأمان الحقيقي في مواجهة تداعيات الحرب، خاصة في ظل محدودية الموارد الرسمية، كما يكشف الموقف عن أهمية التعليم كأداة للصمود، حيث تحولت الامتحانات إلى رمز للمقاومة المدنية في وجه العنف، ويرى المراقبون أن عكس تماسك النسيج الاجتماعي في ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، رغم محاولات تمزيقه عبر الصراع المسلح، كما يبرز الموقف أهمية التنسيق بين الأجهزة الأمنية والتعليمية في إدارة الأزمات، بما يضمن استمرار الخدمات الأساسية حتى في أصعب الظروف، الأمر الذي يمكن أن يكون نموذجاً للبناء عليه في مناطق أخرى تشهد ظروفاً مشابهة، بأن تُنقل التجربة كآلية فعالة لحماية العملية التعليمية أثناء النزاعات.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فقد جاءت مدينة كادقلي لتقدم في زمن تتكاثر فيه صور الدمار، صورة مغايرة عنوانها الإنسان، فطلاب وطالبات مدينة الدلنج لم يحملوا معهم كتبهم وأحلامهم فقط، بل حملوا قصة صمود مدينة، فاستقبلتهم كادقلي بقصة تضامن مدينة أخرى تعاني ذاتها من تداعيات حصار عنيف ولكنها آثرت على نفسها ولو كان بها خصاصة، وما بين الصمود والتضامن، تتشكل حكاية وطن لا يزال قادراً على الحياة، حيث يكتب أبناؤه فصول الأمل بأقلام الامتحان، لا بأصوات الرصاص.






