تقارير دولية تكشف عن تصاعد مقلق في أعداد المفقودين بالسودان
الاختفاء القسري ..مأساة مستمرة
الصليب الأحمر: “11” ألف مفقود ..جرائم المليشيا
مأساة المفقودين ..تجاوز قوانين وأخلاق الحرب
آلاف المحتجزين ..سجون سرية للجنجويد
مطالبات بالكشف عن مصير المغيبين..مسؤلية التمرّد
حملات شعبية تبحث عن الحقيقة.. اختفاء آلاف السودانيين
تقرير :رحمة عبدالمنعم
في ظل حربٍ دامية، تتحمّل فيها مليشيا الدعم السريع مسؤولية مباشرة عن واحدة من أبشع الانتهاكات الإنسانية، تتصاعد أزمة المفقودين في السودان بوتيرة مقلقة، نتيجة لعمليات الاحتجاز القسري والإخفاء التي طالت آلاف المدنيين في مناطق سيطرتها، ومع الغياب شبه الكامل للمعلومات حول مصيرهم، وتبرز إحصائيات اللجنة الدولية للصليب الأحمر كدليل على حجم الكارثة الإنسانية التي كان يمكن تفادي جزء كبير منها لو تم احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، في وقت تتزايد فيه المطالب بكشف مصير المفقودين وضمان سلامتهم ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
تحذير الصليب الأحمر
وكشفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن تصاعد مقلق في أعداد المفقودين في السودان، في مؤشر جديد على اتساع رقعة الانتهاكات الإنسانية خلال الحرب الدائرة في البلاد، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على المدنيين في مختلف الولايات.
وأكد المتحدث الرسمي للجنة الدولية للصليب الأحمر في إفريقيا، ماتيو خاراميلو، أن عدد المفقودين بلغ نحو 11 ألف شخص حتى مارس 2026، مسجلاً زيادة تُقدّر بـ42% مقارنة بالأعوام السابقة، في واحدة من أكثر الإحصائيات إثارة للقلق منذ اندلاع الحرب.
وأوضح خاراميلو، في إفادة إعلامية، أن حجم المأساة الإنسانية في السودان كان يمكن تقليصه بشكل كبير لو تم احترام قواعد النزاع والقانون الدولي الإنساني، مشدداً على أن ما يجري ليس أمراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لانتهاكات جسيمة طالت المدنيين.
وأضاف: ليس هناك أي مكان في السودان الآن لم يتأثر أو لا يمكن أن يتأثر من جراء هذه الحرب، في إشارة إلى شمولية التأثيرات الإنسانية واتساع نطاق المعاناة.
انتهاكات ممنهجة
وتتزايد المخاوف بشأن مصير آلاف المفقودين، خاصة في المناطق التي تتواجد فيها مليشيا الدعم السريع، حيث تشير تقارير ميدانية إلى وجود مراكز احتجاز غير معلومة تخضع لسيطرة المليشيا، لا سيما في إقليم دارفور وأجزاء من كردفان.
وبحسب تقارير محلية، فإن سجن “شالا” بمحيط مدينة الفاشر يضم نحو 9 آلاف محتجز، وسط ظروف إنسانية بالغة السوء، حيث سُجلت وفاة نحو 300 شخص نتيجة الإهمال الطبي، وفق ما أعلنته المقاومة الشعبية في ولاية شمال دارفور مطلع فبراير الماضي.
وأفادت تقارير أخرى بوجود مواقع احتجاز إضافية في ولايتي جنوب ووسط دارفور، تضم معتقلين من دارفور وكردفان، إلى جانب مرحّلين من ولايتي الجزيرة والخرطوم قبل استعادتهما بواسطة الجيش، الأمر الذي يعزز المخاوف من اتساع نطاق الاحتجاز القسري وغياب أي رقابة قانونية.
مسؤولية مباشرة
وتحمّل هذه المعطيات مليشيا الدعم السريع مسؤولية مباشرة عن سلامة المفقودين والمحتجزين في مناطق سيطرتها، وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض على أطراف الحرب حماية المدنيين والكشف عن مصير المحتجزين وضمان حقوقهم الأساسية.
وفي هذا السياق، قال الناشط الحقوقي الطيب عبدون، لـ”الكرامة”:إن حالات الاختفاء القسري تُعد من أخطر الجرائم بموجب القانون الدولي، وترقى في بعض الحالات إلى جرائم ضد الإنسانية، خاصة عندما تتم بشكل واسع أو ممنهج.
وأضاف: ما نشهده في السودان اليوم يتطلب تحركاً عاجلاً من المجتمع الدولي لتسليط الضوء على قضية المفقودين، والضغط على مليشيا الدعم السريع للكشف عن مصير هؤلاء وضمان سلامتهم، وتمكين أسرهم من معرفة الحقيقة.
حراك شعبي
و تشهد منصات التواصل الاجتماعي نشاطاً مكثفاً من قبل ناشطين وحقوقيين وأعضاء غرف الطوارئ، الذين أطلقوا حملات واسعة للبحث عن المفقودين، مدعومة بصور ومقاطع فيديو، في محاولة للوصول إلى أي معلومات تقود لمعرفة مصيرهم.
ويأتي هذا الحراك في ظل غياب شبه كامل للمعلومات الرسمية حول أماكن الاحتجاز، ما يزيد من معاناة الأسر ويفاقم حالة القلق المجتمعي، في وقت تتزايد فيه الدعوات لتدويل قضية المفقودين وفتح تحقيقات مستقلة.
ويجمع المراقبون على أن الأرقام التي كشفت عنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر لا تعكس فقط حجم الكارثة، بل تضع مليشيا الدعم السريع أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية واضحة، في ظل تأكيدات متكررة بأن جزءاً كبيراً من هذه المعاناة كان يمكن تفاديه عبر الالتزام الصارم بقواعد الحرب.
ومع استمرار الحرب، تبقى قضية المفقودين واحدة من أكثر الملفات إلحاحاً، ليس فقط من الناحية الإنسانية، بل أيضاً باعتبارها اختباراً حقيقياً لمدى احترام القانون الدولي، وحق الضحايا في العدالة والإنصاف.






