تشهد معارك ضارية لليوم الخامس على التوالي
كاودا..انهيارات ميدانية وأزمة إنسانية
المعارك تُعمّق الانقسام داخل الحركة الشعبية
هزائم ساحقة لقوات الحلو.. معارضة لسياساته ورفض شعبي
توقعات ببروز قيادة جديدة.. نفوذ أبوظبي في مهب الريح
مطالب بفتح تحقيق دولي بشأن الانتهاكات
نميري: طائرات الإمداد الإماراتية تغادر محمِّلة بذهب الجبال
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تشهد منطقة كاودا، المعقل الرئيسي للحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، تطوّرات ميدانية متسارعة مع استمرار الاشتباكات العنيفة لليوم الخامس على التوالي بين قوات الجيش الشعبي ومجموعات مسلحة من أبناء قبيلة أطورو، في صراع بات يحمل أبعاداً عسكرية وقبلية وسياسية معقدة، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق الأوضاع إلى مرحلة أكثر خطورة تهدد الاستقرار الهش في إقليم جبال النوبة، وبحسب مصادر محلية متطابقة، فقد أسفرت المواجهات المستمرة عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، فيما تحدّثت ذات المصادر عن تلقِّي قوات الجيش الشعبي خسائر ميدانية ساحقة ومتلاحقة في عدد من المحاور، الأمر الذي أدى إلى حالة ارتباك واسعة داخل مناطق سيطرة الحركة الشعبية، بالتزامن مع موجات نزوح كبيرة للمدنيين نحو المرتفعات الجبلية والمناطق الريفية شرق مدينة كادقلي، هرباً من اتساع رقعة القتال.
مشهد معقّد
ويرى مراقبون أن ما يجري في كاودا يتجاوز كونه اشتباكاً محدوداً، ليعكس حالة التفكّك والتعقيد التي باتت تضرب المشهد الأمني والسياسي في إقليم جبال النوبة، باعتباره واحداً من أكثر الأقاليم حساسية في معادلة الأمن القومي السوداني، ذلك أن الصراع الدائر حالياً لم يعد مقتصراً على المواجهة التقليدية بين الجيش السوداني وتحالف الحركة الشعبية ومليشيا الدعم السريع، بل تمدّد إلى داخل بنية الحركة الشعبية نفسها، مع تصاعد الخلافات الداخلية وتنامي حالة السخط وسط بعض المكونات الاجتماعية والقيادات المحلية تجاه سياسات قيادة الحركة، وتنعكس هذه التطورات بصورة مباشرة على الأوضاع الإنسانية والأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية، حيث تشهد العديد من القرى والمناطق المحيطة بكاودا عمليات نزوح واسعة، بينما يواجه آلاف المدنيين ظروفاً معيشية بالغة القسوة في المناطق الجبلية التي لجأوا إليها طلباً للأمان، حيث تشير إفادات من داخل الإقليم إلى أن الأوضاع الإنسانية تزداد سوءاً بصورة متسارعة، في ظل انعدام الخدمات الأساسية وشح الغذاء والدواء، إلى جانب المخاوف من تعذر وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة نتيجة استمرار الاشتباكات وإغلاق بعض المسارات الحيوية.
استقطاب حاد
وتُلقي حالة الاستقطاب الحاد بظلالها على مجمل الأوضاع داخل إقليم جبال النوبة، حيث تشير مصادر محلية إلى أن السكان باتوا أمام حالة انقسام واضحة بين مؤيدين لعبد العزيز الحلو ومعارضين له، في وقت تتزايد فيه الأصوات الناقدة لطريقة إدارة الحركة الشعبية للأوضاع السياسية والعسكرية بالإقليم، ووفقاً لإفادات متداولة داخل المنطقة، فإن قطاعات واسعة من المواطنين أبدت امتعاضها من التحالف الذي جمع الحركة الشعبية بميليشيا الدعم السريع، معتبرة أن تحالف ( الحلو – دقلو) أسهم بصورة مباشرة في نقل الحرب إلى مناطق كانت تعيش قدراً من الاستقرار النسبي، كما عمّق هذ التحالف المخاوف من انزلاق الإقليم إلى صراع طويل الأمد يدفع ثمنه المدنيون، ويرى ناشطون ومراقبون أن مجتمعات جبال النوبة باتت تتطلع بصورة أكبر إلى إنهاء الحرب الممتدة منذ عقود، والانتقال إلى مرحلة جديدة تُعلي من فُرص السلام والاستقرار وإعادة ترتيب المشهد السياسي بما يحافظ على وحدة السودان ويمنع تفكك النسيج الاجتماعي داخل الإقليم.
دعوات لتحقيق دولي
وفي ظل هذه التطورات الأمنية والإنسانية المتسارعة، صعّد الحراك المدني لشعب جبال النوبة من لهجته تجاه الأحداث الجارية، عبر بيان أصدرته الأمانة العامة للحراك، طالبت فيه بفتح تحقيق دولي مستقل بشأن الانتهاكات الجسيمة التي تشهدها منطقة كاودا، وقال الحراك إنه يتابع بقلق بالغ التقارير الميدانية الواردة من المنطقة، والتي تحدثت عن وقوع انتهاكات واسعة بحق المدنيين، لا سيما من مكون الأطوروا، مشيراً إلى أن الهجمات التي بدأت منذ صباح الخامس من مايو أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى وسط المدنيين، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات وفرض حصار فعلي على المنطقة، واتهم البيان أطرافاً عسكرية وميدانية بما فيها عبد العزيز الحلو نفسه، بارتكاب انتهاكات شملت استهداف المدنيين والأعيان المدنية، وحرق المنازل ونهب الممتلكات والاستيلاء على المواشي، فضلاً عن استهداف المدارس والأسواق المحلية وفرض حصار على المدنيين في المناطق الجبلية، الأمر الذي أدى إلى موجات نزوح وتهجير قسري واسعة، وأشار الحراك إلى أن ثبوت هذه الوقائع عبر تحقيق مستقل قد يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقاً لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، داعياً الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية والإقليمية إلى التدخل العاجل وإرسال آلية مستقلة لتقصي الحقائق وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
فرز وسيناريوهات
واعتبر العضو السابق بمجلس التحرير القومي للحركة الشعبية – شمال، عمار ناصر نميري، أن ما يجري حالياً في كاودا يمثّل مرحلة فرز سياسي وعسكري داخل الحركة الشعبية، وقال نميري في إفادته للكرامة إن الأزمة الحالية جاءت نتيجة تراكمات طويلة من الخلافات الداخلية، مبيناً أن بعض الأزمات لا تجد طريقها إلى الحل إلا بعد أن تبلغ ذروتها، متهماً عبد العزيز الحلو وقيادات مقربة منه بممارسة الخداع والمتاجرة بالقضية خلال السنوات الماضية، وتوقع نميري أن تفضي التطورات الجارية إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار الصراع؛ يتمثل الأول في هزيمة قوات الحلو عسكرياً ومقتل عدد من القيادات الميدانية، يعقبه إعلان قيادة جديدة وبدء مرحلة مصالحة شاملة، فيما يقوم السيناريو الثاني على تدخل مجلس التحرير أو القواعد التنظيمية للحركة لإيقاف القتال وإنهاء سلطة الحلو بصورة عاجلة، بينما يتمثل السيناريو الثالث في امتداد (الثورة) إلى الحاميات والمناطق الأخرى بما يقود إلى إعلان قيادة بديلة للحركة الشعبية، وأكد نميري أنه لا يتوقع هزيمة القوى الثورية المناهضة للحلو، باعتبار أن هذه القوات تمكنت من السيطرة على عدد من المنافذ الاستراتيجية في كاودا ومحيطها، من بينها المطار ومناطق كودي وجبل أردن والمقرح وهيبان ودلامي، لافتاً إلى أن الطبيعة الجغرافية المعقدة لتلك المناطق تجعل من الصعب وصول ( فزع) للمشاركة مع قوات الجيش الشعبي التابعة لعبد العزيز الحلو.
النفوذ الإماراتي
ومضى العضو السابق بمجلس التحرير القومي للحركة الشعبية – شمال، عمار ناصر نميري، متناولاً في إفادته للكرامة، الدور الإماراتي في المنطقة، متهماً أبوظبي بالسعي إلى توسيع نفوذها داخل إقليم جبال النوبة عبر ملف الذهب، وأكد نميري أن طائرات الإمداد التي كانت تهبط في مطار كاودا، كانت تغادر محملة بكميات من الذهب، مشيراً إلى وجود تقارير استخباراتية تحدثت منذ سنوات عن صعوبة اختراق مجتمع جبال النوبة بسبب تمسكه بقضيته السياسية والاجتماعية، وقال إن الإمارات اعتمدت على قيادة عبد العزيز الحلو لمحاولة اختراق الحركة الشعبية عبر الإغراءات المالية، لكن الحلو لم يتمكن من تمرير الأجندة الإماراتية داخل مجتمع جبال النوبة، معتبراً أن نهاية نفوذ الحلو ستعني كذلك نهاية النفوذ الإماراتي المرتبط بملف الحركة الشعبية وإقليم جبال النوبة.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فإنه ومع استمرار القتال واتساع رقعة التوتر، تبدو كاودا مقبلة على مرحلة شديدة التعقيد، في ظل تشابك الأبعاد القبلية والسياسية والعسكرية والإنسانية للأزمة، بينما تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهات إلى انهيار أكبر داخل مناطق سيطرة الحركة الشعبية، وفتح الباب أمام موجات نزوح أوسع وأوضاع إنسانية أكثر قسوة، يرى مراقبون أن ما يحدث قد يمثل نقطة تحول مفصلية في تاريخ الحركة الشعبية شمال بإقليم جبال النوبة، سواء عبر إعادة تشكيل القيادة السياسية والعسكرية للحركة، أو من خلال الدفع نحو تسوية سياسية جديدة تُعيد ترتيب المشهد في الإقليم وتضع حداً لدائرة الحرب الممتدة منذ سنوات طويلة.






