اندياح
داليا الياس
جنون (القروش)!!
*أن نُجنّ جميعاً باللهاث المضني وراء أوراق البنكنوت ونحن في هذه الظروف التي لاتخفى على أحد أمر طبيعي يتوافق مع الفطرة البشرية في بحثها الدائم عن سد حوجاتها وتوفير متطلّباتها والقيام بمسئولياتها على الوجه الأكمل. ولكن …أن يُجنّ أطفالى الصغار الذين لم يتجاوزوا العاشرة من العمر بعد ب(القروش) لهذه الدرجة ويجتهدوا في الحصول عليها بشتى الطرق المشروعة والحميدة وهدفهم الوحيد فى ذلك شخصي الضعيف ..فذلك ما يبدوا لى مزعجاً بل ومخيفاً!!.
ولم أكن يوماً من أنصار تمليك الصغار مبالغ مالية كبيرة على إعتبار أن لا حوجة لهم بها… وكنت أكتفي كل صباح فى رحلة ذهابهم للمدرسة أو الروضه بتزويدهم بما يلزم من (سندوتشات) وعصير وربما قطعة من الفاكهة والحلوى حسب المتاح وفق ما رأيته ملائماً لإحتياجاتهم ويسد رمقهم ويكفي طموحاتهم الطفلة يومها.
ومضى الأمر حينها على خير على طول مرحلة (الروضة) بالنسبة للكبار من أبنائي حتى إلتحقوا بالمدرسة ثم بدأوا يبدون رغبة خجولة فى الحصول على المال الذى لم يتجاوز حينها (الجنيه) الواحد على ما أذكر لكل منهم بدوام غير ثابت …متعلّلين بأن زملائهم على مقاعد الدراسة يحصلون على مصروف ثابت من ذويهم لأغراض (التحلية) وهو ما دفعني للنظر فى الأمر خشية أن تترسّب بداخلهم عقدة النقص فيشعرون بالدونية أو تدفعهم رغباتهم الشيطانية للقيام بما لا تحمد عقباه فى سبيل الحصول على المال أسوة بزملائهم.
*الآن…تبدّل كل شئ على أيامنا هذه…وفى كل صباح قد يطالبك طفلك الذى لم يتجاوز الثالثة بمصروف جيب فى طريق ذهابه للروضة…وذلك الطلب لا يكون على إستحياء ولا يحمل نبرة رجاء .. ولكنه طلب مباشر وقوي على إعتبار أن ذلك حق أساسي مكفول لا يقبل النقاش!! لقد بدأ صغارنا يعرفون قيمة النقود ويجرون (حساباتهم) في ما بينهم بكل شطارة ويتنافسون في إدخار كل ما يصل لأيديهم من منح أو عطايا منك أو من المقربين.
بل أنهم يبتدعون الأفكار التي تدر عليهم مالاً…فإبن جارتي ذو الثمان سنوات والذي أرغمته ظروف الحرب على الإقامة في مصر يعمد لبيع (جغمة) المياه الغازية لإخوته داخل المنزل مقابل خمسة جنيهات مصرية ..فإذا باع لهم “١٠” (جغمات) –عدا تلك التى تناولها شخصياً-تكون الحصيله ٥٠ جنيه بنسبه أرباح تتجاوز ال٣٠٠% لأن سعر الزجاجة فى هذا الزمن الموبوء “١٥” جنيه!! وأمه تحكي الواقعة من باب التندر….ترى…هل أفرح بذلك وأرى فيه مستقبلاً واعداً له كتاجر (حريف)؟ أم أتحسّر على براءته التى لا ملمح لها فى هذه الفكرة التجارية البحتة؟ علماً بأننى لا أرى سبباً يدفعه للقيام بذلك ..فليس لديه سبب واضح وراء ذلك الإدخار مالم يكن –رغم سنواته الغضة-قد إطلع على واقع الحال وأراد أن يبدأ فى تأمين مستقبله من الآن تحسّباً لأيام العطالة التى تنتظره بعد نهاية دراسته الجامعية بإذن الله!!
*لقد جن أطفالنا بالنقود!! وهم يطالبون بها دائماً…ولا يبادر أحدهم فى إنفاقها على نفسه مهما كان… ولو أراد أحدهم شيئاً وإقترحت عليه شراؤه من مدّخراته الخاصة ستجده قد أقلع عنه فى الحال على إعتبار أن ذلك ليس من شأنه ولكنه من ضمن مسئولياتك!!.
وقد كانوا حتى وقت قريب يستأمنوننا على تلك الثروات الصغيرة ولكنهم الآن يتهموننا علناً بالتبديد وخيانة الأمانة والتغوّل عليها –ربما إستحوا من إتهامنا مباشرةً بالنصب أو السرقة- وأصبح الأمر فى أكثر من مره سبباً لل(مغالطة)والمحاججة والمحاسبة التى تنتهى دائماً بتغريمنا مما دفعهم للإستغناء عني كخزانة واللجوء لحصالات (البف باف) التقليدية التى يميزها أنها لا تفتح على الإطلاق إلا بأرادة صاحبها أو تلك البرجوازية الأنيقة ذات القفل الخارجي.
*عليه…ماهو رأيكم فى ظاهرة جنون الأطفال بالمال؟ وهل هى قضيه شائعة أم أنها حالة إستثنائية فردية تخص مجتمعي الصغير؟
وهل هى أمر محمود أم مكروه ومخيف؟ ولماذا لم نكن نعني كثيراً بالمال على أيام طفولتنا السعيدة سقاها الله؟…..وحتى نجد الإجابات الكافية التى تعيننا كأولياء أمور سنظل ندفع من سكات.
*تلويح:
أنت ومالك …لإبنك






