صاحب صوت مغرّد أطرب السودانيين
عبدالوهاب الصادق..«وداعاً غلاوة الريد»
برحيل رائد الغناء الشعبي..صمتت «ست الريد»
من الجزيرة شكّل وجدان الوطن الكبير.. رحلة عطاء ثرّة
«حبايبي الحلوين» والآخريات صنعت مجد الأغنية الشعبية
مجلس الوزراء والمهن الموسيقية ..نعي رسمي وشعبي
الكرامة :رحمة عبدالمنعم
برحيل الفنان عبدالوهاب الصادق، تطوي الساحة الفنية السودانية صفحة زاهية من صفحات الغناء الشعبي، وتفقد واحداً من الأصوات التي ارتبطت بوجدان الناس لعقود طويلة، فقد شكّل الراحل علامة فارقة في مسيرة الأغنية السودانية، بما قدمه من أعمال خالدة جمعت بين جمال اللحن وعذوبة الأداء وصدق التعبير، حتى أصبحت أغنياته جزءاً من ذاكرة أجيال متعاقبة، وبرحيله، يستعيد السودانيون سيرة فنان كبير أسهم في إثراء مكتبة الغناء الوطني والشعبي، وترك إرثاً فنياً سيبقى حاضراً كلما صدحت الألحان التي صنعت مجده ومحبة جمهوره.
موهبة استثنائية
وغيّب الموت أمس السبت الفنان الكبير عبدالوهاب الصادق، أحد أبرز أعلام الغناء الشعبي في السودان، بعد رحلة معاناة مع المرض، تاركاً خلفه إرثاً فنياً ثرياً ظل لعقود طويلة جزءاً أصيلاً من ذاكرة السودانيين ووجدانهم الجمعي.
برحيل عبدالوهاب الصادق لا تفقد الساحة الفنية مجرد مطربٍ ذائع الصيت، وإنما تودع مدرسة فنية كاملة استطاعت أن تشق طريقها وسط جيل العمالقة، وأن تحجز لنفسها مكاناً متقدماً في تاريخ الأغنية السودانية،فقد جاء الراحل من رحم الجزيرة الولود (منطقة ابوقوتة) في ستينيات القرن الماضي، حاملاً مشروعه الفني الخاص، ومؤسساً لأسلوب غنائي امتاز بعذوبة اللحن ورشاقة المفردة وصدق الأداء، فصار واحداً من الأصوات الراسخة التي عبرت الأزمنة والأجيال.
ومنذ بداياته المبكرة، نجح عبدالوهاب الصادق في أن يلفت الأنظار بموهبته الاستثنائية، وأن يطوّر الأغنية الشعبية عبر تجارب موسيقية جديدة، حيث كان من أوائل الذين أدخلوا آلة المندولين والبيز جيتار في هذا اللون الغنائي، الأمر الذي أضفى على أعماله مذاقاً مختلفاً وحضوراً أكثر تطريباً وتأثيراً.
شعراء كبار
وتعامل الراحل عبدالوهاب الصادق مع كوكبة من كبار الشعراء والمبدعين، من بينهم عبد الرحمن الريح، وإسماعيل خورشيد، وعوض جبريل، ومكاوي الشيخ، والتجاني حاج موسى، ومحمود فلاح، ومحمود أبو العلا الذي غنى له أولى أعماله الشهيرة: «هلا ليا هلالو ظهر وبان ليا الليلة»، ومن خلال هذه الشراكات الإبداعية، أهدى المكتبة الغنائية السودانية عشرات الأعمال التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الوطنية.
وظلت أغنيات مثل «ست الريد بقت قساية»، و«من بعد ما فات الأوان»، و«ما أحلى التصافي»، و«ولو حبايب زي ما بتقول»، و«الجرح جرحي براي»، و«حبايبي الحلوين»، و«فريع البانة»، و«بعد ده كلو كمان بتشكي»، و«نسوني تاني ما جوني»، و«آن حمامي»، و«بياع الخواتم» و«غلاوة الريد»، و«بالطول بالعرض سودانا يهز الأرض» شاهدة على موهبة فنان عرف كيف يخاطب وجدان الناس بلغة بسيطة وعميقة في آن واحد.
ولم تتوقف بصمته عند حدود أدائه الشخصي، بل امتدت إلى أجيال أخرى من الفنانين الذين تغنوا بأعماله وأعادوا تقديمها، من بينهم الفنان حسين شندي والفنان حسن شرف الدين وغيرهما، ما يؤكد قيمة الإرث الفني الذي تركه الراحل للأغنية السودانية.
نعي رسمي
وقد نعى رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس وأعضاء حكومة الأمل الفنان الراحل عبدالوهاب الصادق، مؤكدين أنه أحد رواد مدرسة الغناء الشعبي الذين رفدوا مكتبة الأغنية السودانية بعديد الأعمال الجميلة التي ستظل عالقة في أذهان الشعب السوداني، متقدمين بخالص التعازي لأسرته وأصدقائه وزملائه ومحبيه.
واحتسبه اتحاد المهن الموسيقية ومجلس إدارته وأعضاؤه بمزيد من الحزن والأسى، مشيرين إلى أن عبدالوهاب الصادق ظل طوال فترة مرضه مثالاً للصبر والرضا بقضاء الله، وأن الساحة الفنية فقدت برحيله واحداً من كبار المبدعين الذين أثروا الوجدان السوداني بأعمال خالدة.
دموع الفقد
وفي كلمات مؤثرة، ودّع السفير عبد المحمود عبد الحليم الفنان الراحل قائلاً إن “حبايبه الحلوين” الذين تغنى لهم لن يأتوا هذه المرة حاملين الأزهار، وإنما سيأتون بدموع الفقد ولوعة الرحيل، مستحضراً واحدة من أشهر أغنياته التي ظلت تتردد على الألسن لعقود طويلة.
وأضاف أن عبدالوهاب الصادق اختط لنفسه طريقاً فنياً خاصاً وسط ساحة مكتظة بالكبار، فنجح في أن يكون عملاقاً بين العمالقة، وأن يملأ بساتين الإبداع السوداني بأعمال ستظل خالدة ما بقي الغناء السوداني حياً في وجدان شعبه.
إن رحيل عبدالوهاب الصادق يأتي في وقت تتعاظم فيه أحزان الوطن، لكنه يترك وراءه ما هو أبقى من الغياب؛ يترك صوتاً لا يزال يصدح في البيوت والمناسبات والذكريات، ويترك ألحاناً حفرت أسماءها في ذاكرة الأجيال، ويترك سيرة فنان عاش للفن فأعطاه أجمل سنوات عمره، فأعطاه الفن الخلود.
رحل عبدالوهاب الصادق، لكن أغنياته ستظل تنبض بالحياة كلما ردد الناس: «حبايبي الحلوين»، وكلما تذكروا أن صاحب «ست الريد بقت قساية» لم يكن مجرد مغنٍ، بل كان صفحة مضيئة في سفر الإبداع السوداني.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه من جمال وسعادة في ميزان حسناته، وأن يلهم أسرته ومحبيه والشعب السوداني الصبر وحسن العزاء.






