رئيس الوزراء يستعرض في اجتماع عاصف قضايا الساعة «الذهب والعملة».. حلول خارج الصندوق

رئيس الوزراء يستعرض في اجتماع عاصف قضايا الساعة

«الذهب والعملة».. حلول خارج الصندوق

التعدين والمخدرات والتهريب.. تحديات اقتصادية

مراجعة سياسات صادر الذهب.. الهدف المنشود

الاتجار غير المشروع وغسل الأموال.. تهديد الأمن

تقرير: محمد جمال قندول

استعرض رئيس الوزراء، في اجتماع جمعه بعدد من الوزراء، قضايا تنظيم قطاع التعدين ومكافحة التهريب والمخدرات.
ويأتي الاجتماع والبلاد تشهد جملة من التحديات، لا سيما الاقتصادية، التي تتطلب حلولاً من خارج الصندوق قادرة على كبح جماح العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني، إلى جانب تطواف الاجتماع على قضايا مهمة مثل التعدين ومكافحة التهريب والمخدرات.
الاستثمار
وشهد الاجتماع وزراء المالية والمعادن والعدل والنفط والثروة الحيوانية وممثلي للأجهزة الأمنية.
وقال وزير الإعلام خالد الإعيسر إن الاجتماع أمن على ضرورة التصدي ومواجهة التهريب بكل قوة، ومكافحة المخدرات كأولوية لحماية الأمن القومي.
وأضاف الإعيسر بأن الاجتماع قدم إشادة بجهود وتضحيات الأجهزة الأمنية والشرطية والعسكرية في سبيل حماية الاقتصاد الوطني.
وأوضح وزير الإعلام والثقافة والسياحة بأن الاجتماع طاف كذلك على الانعكاسات السلبية للتعدين غير المنظم والخدمات المرتبطة به والتدابير اللازمة لتلافي هذه الآثار على الصحة العامة والبيئة، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء وجه بإزالة الطواحين والأحواض الموجودة في الأحياء والمناطق العسكرية، والعمل على تنظيم أسواق الذهب في مناطق الإنتاج.
مراجعة ضرورية
وعلق الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي لـ”الكرامة” على مخرجات الاجتماع، وقال إنه من الضروري مراجعة سياسات الصادر للذهب، وذلك للإسهام بصورة فعالة في تنمية قطاع الصادرات عبر وضع عدد من الضوابط التي يجب اتباعها حتى يتحقق الهدف المنشود.
وأضاف فتحي بأن البلاد تمتلك موارد معدنية وقوى بشرية ضخمة، إذ يعتبر معدن الذهب من أهم تلك الموارد المعدنية، حيث يتوفر بكميات كبيرة في مناطق مختلفة، لكنه لم يستغل بصورة مثلى حتى الآن، وزاد: إن تصدير الخامات في صورتها الطبيعية إهدار للثروة المعدنية، حيث إن تصنيعها يزيد من القيمة المضافة مما ينعكس إيجابياً على الاقتصاد القومي، ويقتضي ذلك بالضرورة مكافحة تهريب الذهب إلى الخارج.
تمويل
ويرى فتحي بأنه ينبغي تشجيع وإلزام بنوك الاستثمار لتقديم التمويل اللازم والضروري للمعدنين أفراداً وشركات، وتنمية قطاع التعدين بوضع خطة قومية شاملة للاستغلال الاقتصادي للموارد المعدنية وتنويع الصادرات والتدريب والتأهيل لأجل توسيع قاعدة الدخل القومي، مع استصحاب التجارب السابقة وتجارب دول العالم الشبيه.
مؤشرات
من جانبه، يقول الخبير الاستراتيجي والمحلل الاقتصادي د. أسامة محمد عبد الرحيم إن الاجتماع الذي عقده السيد رئيس الوزراء لمناقشة قضايا تنظيم قطاع التعدين ومكافحة التهريب والمخدرات يعكس إدراكاً متقدماً لطبيعة التحديات التي تواجه السودان في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه. فهذه الملفات، حسب أسامة، لم تعد قضايا قطاعية أو فنية منفصلة، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والصحة العامة وحماية المجتمع، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد نتيجة الحرب وما خلفته من آثار على مؤسسات الدولة والاقتصاد الوطني.
أهمية خاصة
ويكتسب هذا الاجتماع، وفق أسامة، أهمية خاصة من كونه تناول ملف التعدين من منظور شامل يتجاوز النظر إليه كمصدر للإيرادات فقط. فالسودان يمتلك موارد معدنية كبيرة ومتنوعة، ويُعد الذهب اليوم أحد أهم مصادر النقد الأجنبي والدخل القومي. غير أن التجارب السابقة أظهرت أن ضعف التنظيم وغياب الرقابة الكافية وارتفاع معدلات التهريب يمكن أن يؤدي إلى فقدان جزء كبير من العائد الاقتصادي الذي يفترض أن يعود على الدولة والمجتمعات المحلية.
ومن هذا المنطلق، يرى د. أسامة أن الاهتمام بتنظيم أسواق الذهب في مناطق الإنتاج، وتعزيز الرقابة على عمليات التداول والنقل والتصدير، وتطوير نظم تتبع الإنتاج، تمثل خطوات ضرورية لضمان استفادة الاقتصاد الوطني من موارده الطبيعية بصورة أكثر كفاءة وعدالة. كما أن نجاح هذه الجهود سيسهم في زيادة حصائل الصادر، وتحسين قدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي وتمويل مشروعات التنمية وإعادة الإعمار.
التهريب
وفي تقدير الخبير الاقتصادي د. أسامة محمد، فإن قضية التهريب لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد مخالفة اقتصادية أو جريمة جنائية فحسب، بل باعتبارها تحدياً استراتيجياً يؤثر على سيادة الدولة وقدرتها على إدارة مواردها الوطنية. فالذهب المهرب يمثل موارد مفقودة من الخزانة العامة، كما أن شبكات التهريب غالباً ما ترتبط بأنشطة أخرى عابرة للحدود تشمل الاتجار غير المشروع بالمخدرات والأسلحة وغسل الأموال وغيرها من الأنشطة التي تهدد الاستقرار والأمن.
الآثار البيئية
ومن الجوانب المهمة التي تضمنها الاجتماع الربط بين التعدين غير المنظم والآثار الصحية والبيئية المترتبة عليه، فقد أظهرت التجارب في العديد من مناطق التعدين أن الاستخدام غير المنضبط لبعض المواد الكيميائية، خاصة الزئبق والسيانيد، قد يؤدي إلى أضرار خطيرة على صحة العاملين والسكان والبيئة المحيطة، بما في ذلك تلوث المياه والتربة وتأثيرات صحية قد تمتد لسنوات طويلة.
لذلك، فإن التوجيه بإزالة الطواحين وأحواض المعالجة من داخل الأحياء السكنية والمناطق العسكرية يُعد خطوة مهمة لحماية المواطنين والحد من المخاطر البيئية والصحية. كما أن إصدار نشرات توعوية وتسيير فرق إرشادية ميدانية للمعدنين يمثل إجراءً ضرورياً لنشر المعرفة وتعزيز ثقافة السلامة المهنية والبيئية داخل مواقع الإنتاج.
كما يرى د. أسامة أن إصدار بطاقات تعريفية للمعدنين يمكن أن يشكل بداية جيدة لبناء قاعدة بيانات وطنية للعاملين في هذا القطاع، الأمر الذي يسهم في تنظيم النشاط التعديني وتقديم الخدمات الصحية والتوعوية والتدريبية للعاملين، فضلاً عن تسهيل عمليات المتابعة والرقابة وتحسين التخطيط المستقبلي للقطاع.
مكافحة المخدرات
وفي الجانب الآخر، فإن إدراج ملف المخدرات ضمن أجندة الاجتماع يعكس فهماً صحيحاً لطبيعة المخاطر التي تواجه المجتمع السوداني في المرحلة الراهنة. فالمخدرات لم تعد مجرد مشكلة اجتماعية أو صحية، بل أصبحت في كثير من الأحيان أداة تستخدمها شبكات الجريمة المنظمة لتحقيق مكاسب مالية ضخمة على حساب استقرار المجتمعات ومستقبل الأجيال الشابة.
ومن هنا، فإن الحديث عن تعزيز تبادل المعلومات بين المؤسسات المختصة وإنشاء مراكز متخصصة لعلاج الإدمان يمثل توجهاً مهماً يجمع بين البعد الأمني والبعد الإنساني والعلاجي. فمكافحة المخدرات لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما تتطلب أيضاً برامج وقائية وتوعوية وعلاجية وإعادة تأهيل تستهدف الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، وفي مقدمتها الشباب.
ويعتقد د. أسامة عبد الرحيم أن المرحلة المقبلة تتطلب المضي أبعد من ذلك نحو بناء استراتيجية وطنية متكاملة للتعدين المسؤول، تقوم على تحقيق التوازن بين تعظيم العائد الاقتصادي وحماية البيئة وصحة الإنسان، مع تطوير البنية التشريعية والرقابية، وتشجيع استخدام التقنيات الحديثة الأقل ضرراً والأكثر كفاءة في عمليات الاستخلاص والإنتاج.
كما أن نجاح هذه التوجهات يتطلب تنسيقاً وثيقاً بين وزارة المعادن ووزارة الداخلية والأجهزة الأمنية والشرطية والسلطات المحلية والجهات الصحية والبيئية، لأن طبيعة التحديات المطروحة تتجاوز اختصاص أي مؤسسة منفردة، وتحتاج إلى مقاربة وطنية متكاملة تتشارك فيها جميع الجهات ذات الصلة.
مؤشرات إيجابية
وفي المجمل، يشير د. أسامة إلى أن ما صدر عن هذا الاجتماع يمثل مؤشرات إيجابية على وجود إرادة سياسية لمعالجة قضايا ظلت لسنوات طويلة تمثل أحد أكبر التحديات أمام الاقتصاد الوطني. أضاف، ويبقى التحدي الحقيقي، حسب الخبير الاقتصادي أسامة، في تحويل هذه التوجيهات إلى برامج تنفيذية واضحة ومستمرة، قابلة للقياس والمتابعة والتقييم، بما يضمن حماية الموارد الوطنية، وتعظيم الاستفادة منها، وحماية المواطنين والبيئة، وتعزيز مساهمة قطاع التعدين في دعم الاقتصاد الوطني خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top