د.عبد اللطيف البوني يكتب: «الجاكومي وست الريد»

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

«الجاكومي وست الريد»

(1)
A man unto himself
هذا مثل انجليزي لاصق في ذهني منذ عقود من الزمان وسبب عدم نسياني له ليس لأنه أعجبني فحسب… بل لأني فشلت في أن أجد َله مطابق في اللغة العربية أو الدارجية السودانية .. أقرب معنى له … رجل مستقل برأيه ومواقفه … ليس بتابع لأي جهة وبالدارجية السودانية يمكن أن يصل المعنى إلى (رأسه قوي) وبالدارجية المصرية (دماغه ناشفة)..في ظني أن مجمل المعنى يمكن أن ينطبق على السياسي السوداني محمد سيد أحمد الجاكومي ..أما سبب تذكرنا له اليوم فلأنه كان أحد نجوم ملتقى أديس أبابا الأخيرة … حيث كانت الخماسية التي حلت محل الرباعية والتي سوف تمهّد للسباعية .. أظن السداسية فهي في اليومين ديل في أوسلو عاصمة النرويج …محمد سيد أحمد لديه انتماء جهوي وسياسي ورياضي وحاجات تانية … وهو شديد الفخر بها … لكنه ليس أسيراً لأي منها … فأنت تراه متابعاً لرأيه الخاص حتى ولو دعا لتفلّته عن القيد التنظيمي ….يشرّق ويغرّب على كيفه … فمثلا في ٢٦ مارس ١٩٨٥م كانت هناك مظاهرة معلنة في الجامعة الإسلامية ضد نظام مايو … وفي آخر لحظة ولموازنة سياسية قرّر اتحاد الطلاب إلغائها … ولكن الطالب محمد سيد أحمد تمرّد على قرار اتحاده ورفض الإلغاء هاتفاً (لا تراجع بل أقدام ) وقاد جزء من الطلاب إلى المنطقة الصناعية بأم درمان… وأحرقوا مقر جمعية ود نميري التعاونية… وكانت تلك الشرارة الحقيقية لانتفاضة أبريل الشعبية التي أطاحت بنظام نميري في أبريل ١٩٨٥م..التاريخ لم يحفظ لمحمد حقه هذا ..
طوال حكم الإنقاذ ظل الجاكومي معارضاً ولكنه كان متفاعلاً على كافة الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية …يوم في السجن ويوم في المنصة .. وعضلات تبش… فالرجل يأكل (باسطة) من عرق جبينه … موقفه في الحرب الحالية واضح وليس فيه أي تردّد أو لبس ….بذات الوضوح والشفافية كان موقفه في أديس أبابا باسم تنسيقية القوى الوطنية… لكنه تلقى ضربة بالكوع أخرجته من وسط الدائرة إلى محيطها ..فهل هذه الضربة من زميله في الكتلة الديمقراطية مبارك أردول.. أم جهة أخرى أعلى من أردول؟… وهنا تكمن (الكنتة) لأنها توضح مصير الخماسية بعد أديس أبابا ….
التقيت الجاكومي كفاحاً مرتين أو ثلاثة كان آخرها في وفاة الحاجة المبرورة والدة صديقنا عطاف محمد محتار قبل الحرب… رحمها الله رحمة واسعة … وفي الجلوس إليه متعة وفائدة مثل لقاءاته التلفزيونية ..
(2)
أحزنني جداً رحيل الفنان المبدع الفلتة … عبد الوهاب الصادق الذي مات مرتين… الأولى عندما فقد صوته بمرض حنجرة غريب (غلب الداوي ) وهو في قمة مجده …لدرجة أن البعض نسب ذلك ل(كجور كارب) ..جاء عبد الوهاب لأم درمان من الجزيرة تحديداً من أبي قوتة وهي قريبة من منطقة شكيرة التي قدِم منها عوض الكريم عبدالله وعبد الله محمد وأنور عقد الجلاد …فاثروا جميعا الأغنية الأم درمانية…
عبد الوهاب يعتبر امتداداً لمدرسة الفنان الكبير محمد أحمد عوض إذ أضاف إليها المندلين والبيزجتيار .. فجمع بذلك في غنائه بين الغناء الحنجوري والاوركسترالي والكورالي… لأنه كان يعطي الكورس مساحة واسعة ..
عبد الوهاب الصادق كان كلما يقدّم أغنية تصبح أغنية الساعة …أي الأكثر انتشاراً …لأن له قدرة عالية جداً على التطريب …لدرجة جعلته من ملوك الأداء …فأنت تطرب له وهو يغني أغاني شجية مثل( ان حمامي وناح حمامي )..ومثل (ست الريد بقت قسّاية) ..وتتحرك كل دواخلك ..وعندما يغني (حبابيبي الحلوين أهلاً جوني) و(وليد دارفور بمشي معاك الليلة) تتحرك جوارحك وتهتز داوخلك طرباً…
ذات لقاء تلفزيوني مؤثّر قالت زوجته وهو جالس الي جانبها أنه خطبها وهي طالبة في مدرسة بيت الأمانة الثانوية… وبعد الخطوبة مباشرة أصبحت المدرسة كلها تناديها .. بوليد دارفور …
في معرض نعيه للفنان أحمد المصطفى قال الأستاذ السر دوليب نحمد الله أن أحمد لم يغادرنا فجأة …فاللهم أرحم عبد الوهاب الصادق وأجعل قبره روضة من رياض الجنة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top