د.عبد اللطيف البوني يكتب :تمثيل المزارعين أم التمثيل بهم

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

تمثيل المزارعين أم التمثيل بهم

كتب الخواجة محافظ مشروع الجزيرة في مدونته… إنه اليوم التقى مزارعاً أظهر له وعياً أدهشه … علينا أن نعيد حساباتنا في التعامل معهم.. كان ذلك في منتصف أربعينيات القرن الماضي.. كان ذلك المزارع هو الشيخ المرحوم أحمد بابكر الإزيرق… من قرية ود النعيم القريبة من مدني… وأظنها اليوم تعتبر جزء من المدينة… ومنها جاءنا الفنان الكبير محمد الأمين.. جلست جلسة طويلة ومثمرة مع عمنا شيخ ود الازيرق في ١٩٨٠ م إن لم تخن الذاكرة التي أضحت خربة.. حكى لي فيها الكثير عن مسيرته العامرة في قيادة المزارعين.. سألته عما دار بينه وبين المحافظ والذي جعل الأخير يدوّن في مذكرته ما ذكر أعلاه… فقال لي قلت له (ياسيد المحافظ… انتو الناس البشتروا القطن بتاعنا دا ما تخلونا نقابلهم… ونبايعهم برانا… يفتح الله… يستر الله).
لا شك أن ما قاله الشيخ أحمد يختزن الكثير من المعاني التي فهمها الخواجة.. الذي كان يظن أن هذا المزارع البائس… سيظل ترساً في ماكينة Cog in a machine… كما وصفه في كتابه إلى يوم الدين.. فالعيال لابد من أن تكبر…
بالإضافة للوعي التلقائي الناجم من تحديث الأرض وعلاقات الإنتاج…. كانت البلاد قد اجتاحها مداً وطنياً جارفاً بسبب الحرب العالمية الثانية… وما أفضت إليه من إدراك بطبيعة المستعمر… وكان مؤتمر الخريجين الذي لم تكن انطلاقته من ود مدني مصادفة.. بعد إضراب المزارعين الشهير في ١٩٤٦م قررت إدارة المشروع انشاء كيان بمثل المزارعين… فكانت الهيئة التمثيلية لمزارعي الجزيرة في ١٩٤٧م.. وتمت العضوية للهيئة بالاختيار.. جاء دستورها على نسق المجلس التشريعي لشمال السودان… الذي كونه المستعمر لامتصاص حركة الخريجين..
ثم فيما بعد قرّرت الإدارة البريطانية انشاء الجمعية التشريعية كتطور دستوري للمجلس الاستشاري في البلاد … ولكن الاتحاديين قاطعوها…. وقال الزعيم الخالد إسماعيل الأزهري… قولته المشهورة سوف نرفضها ولو جاءت مبرأة من كل عيب… في الجزيرة تم تطوير الهيئة التمثيلية إلى هيئة مزراعي الجزيرة مع صلاحيات أوسع.. كانت أيضاً
برئاسة الشيخ أحمد بابكر الإزيرق. وبعد اتفاقية الحكم الذاتي وإجراء اول انتخابات برلمانية في السودان في عام ١٩٥٣م… قامت في الجزيرة ثورة عارمة بقيادة الشيخ الأمين محمد الأمين… فكان اتحاد مزراعي الجزيرة في عام ١٩٥٣م.. قصدنا من هذا الحكي القول أن الجزيرة كانت أول المستجيبين للتطورات الدستورية والسياسية في البلاد.. وهذا أمر طبيعي لأن مزراعي الجزيرة رغم أنف علاقات الإنتاج الجائرة أصبحوا من الطبقة الوسطى مثلهم مثل الأفندية وتجار المدن…
لاشك أن اتحاد مزراعي الجزيرة كان ثمرة وعى سياسي اجتاح البلاد والجزيرة من ضمنها… كما أنه يدل على اصرار المزارعين أن تكون لهم كلمة في إدارة شئونهم… من أراد المزيد من المعلومات عليه بكتاب صديقنا الاستاذ صديق البادي عن اتحاد مزارعي الجزيرة المناقل..
اتحاد المزارعين لم يحدث التغيير المنشود.. ولعل العلة كانت في طريقة تكوين الاتحاد… إذ أن الانتخاب له لم يكن مباشراً منذ أول اتحاد الي آخر اتحاد.. في فجر التكوين كان كل مائة مزارع ينتخبون واحداً يمثلهم يسمى راس المية… ثم يجتمع روؤس المية في كل تفتيش أي مكتب يختارون مندوب المكتب… فيجتمع مناديب المكتب في القسم فيختارون مندوب القسم… وهناك في مدني يجتمع مناديب الأقسام فيختارون اللجنة التنفيذية لاتحاد المزارعين من رئيس سكرتير وأمين خزينة والذي منه…. وفي تطور لاحق الغيت مرحلة رأس المية ليكون انتخاب مندوب المكتب من المزارعين مباشرة… مع الإبقاء على بقية الهيكل وظل الانتخاب غير المباشر على ما هو عليه…
هذه المسافة الطويلة التي كانت تفصل بين قيادة الاتحاد والمزارع العادي… جعلت قيادات الاتحاد بعيدة عن القاعدة.. فأصبحت القيادة وبما لها من سند سياسي ومالي تنتظر مناديب الأقسام في فندقى الكونتنتال والخواض في مدني وهاك وبا بيع وهاك ويا شراء… وفيما بعد أصبحت للاتحاد مؤسسات مالية… ومصادر دخل خاص به… طبعاً بالإضافة لاشتراكات المزارعين.. والخصومات من الصرفيات المتعددة …. وكما أن عضويته أصبحت موزعة على مجالس إدارات مختلفة… منها مجلس إدارة مشروع الجزيرة نفسه.. و شركة الأقطان واتحاد عام مزارعي السودان… والسنو والسنو (ش) والحاجات… كما تقول الطرفة.. فكانت الحوافز الضخمة… و الوجاهة الاجتماعية.. لقد انفصلت قيادات المزارعين تماماً عن قاعدتهم… أصبحوا أقرب للحكام وللاداريين في المشروع… وأصبح منصب ممثل المزارعين اي مندوبهم مدخلا للثراء والجاه النفوذ والحاجات التانية( الما حامياني)…كما أن طريقة الانتخابات المشار إليها ساعدت في انتياش اي ابعاد العناصر غير المرغوب فيها..فاذا برز اي صوت مؤثر وكسب أصوات مكتبه فإنه يمكن أن يبعد في مرحلة القسم.. والعكس كذلك، فذات مرة برز صوت قوي في اللجنة التنفيذية في أقرب انتخابات تم انتياشه في مرحلة راس المية .. فأصبحت عضوية الاتحاد محتكرة على فئة معينة لدرجة التوارث….
لقد نادينا ضمن آخرين بتغيير طريقة انتخابات اتحاد المزارعين لتكون مباشرة في لجنتها التنفيذية… أو على الأقل في الضباط الثلاثة… الرئيس والسكرتير وأمين الخزينة… كما هو الحال في نقابة السكة حديد. .. فإذا كان العامل في السكة حديد من حلفا حتى واو… يختار قادة نقابته مباشرة فما بالكم في الجزيرة ذات المساحة المحدودة؟… هذا اذا علمنا أنه حتى آخر اتحاد كان عدد المزارعين المسجلين في بركات أقل من ١٢٠ الف فقط… اللهم إنه تكتيك (البعوعي) .
قد يكون التعميم مخلاً في هذا الموضوع إذ أفرز اتحاد المزارعين بعض القيادات الواعية… الصلبة.. التي كانت مدركة ادراكا كاملا لحقوق المزارعين… ونافحت من أجل نيلها ولكن محدودية الصلاحيات… وما تتيحه القوانين المنظمة للتمثيل من (كعبلة) … مكّنت أصحاب المصلحة المضادة من هزيمة مجهودات أولئك القادة المحترمين وجعلت صوتهم بندق في بحر … في السنوات الأخيرة لا بل في العقود الأخيرة َ… جرفت السياسة اتحادات المزارعين… وتماهت تماماً مع المؤسسة أي ال Establishment (البعوعي) … فأصبح الاتحاد عقبة في وجه التغيير لا بل معرقلا له مثله مثل الإدارة..
التطورات الإدارية التي بدأت منذ عام ١٩٨١ بالغاء الحساب المشترك… والتحول إلى الحساب الفردي… ثم تغيير الدورة الزراعية من رباعية الي خماسية في ١٩٩٢ ثم قانون ٢٠٠٥ المعدل ٢٠١٤ … وكلها كانت تغييرات غير مثمرة نتيجة لقوة المقاومة لدى جماعة المصلحة المضادة… وهذه قصة أسرفنا فيها في المقالات السابقة… جاء حل اتحاد المزارعين في عام ٢٠٠٥ لتقوم مقامه روابط مستخدمي المياة وكانت فكرة المعية مستوردة و متطورة (أكثر من اللازم) لذلك استطاع البعوعي القضاء عليها وهي في مرحلة اليرقة.. في ٢٠١١م تمت اجازة قانون جمعيات مهن الإنتاج الزراعي والحيواني ثم تم تعديل قانونها في ٢٠١٥.. وهي فكرة ممتازة (يغني عليها سرور)… ونظرياً هي المطبقة الآن ولكن استفاد البعوعي من السيولة السياسية التي سادت البلاد… فجعلها في حالة (الضل الوقف ما زاد) قانون الجمعيات هذا… يعطي الجمعيات القاعدية كافة الصلاحيات وسلطات واسعة لدرجة التعاقد مع الجن الأحمر لو أراد المزارع ذلك… ورغم ذلك ظل حبرا على ورق كما الدورة الخماسية….
فاليوم العلينا دة ليس هناك أي كيان شرعي ليمثل المزارعين فإنفتح الباب واسعاً للباحثين عن الزعامة …. و(الرمرمة) وتحت مسميات مختلفة مدعين تمثيل المزارعين مستفيدين من حالة اللادولة التي احدثتها الحرب الماثلة .. بعد احتلال الخرطوم وسقوط مدني يمّم (الجماعة) شطر بورتسودان وهناك ادعوا كل شيء وقالوا كل شيء اللهم الا كلام جمعيات الإنتاج الزراعي (الماعرفتوه)… يا جماعة دي من أغنية ود الجزيرة عبد الوهاب الصادق…رحمه الله رحمة واسعة والتي تقول (كلام الريد كله قلتوه بس كلامي أنا الما عرفتو) …الله أعلم بالنوايا فمن الجائز أن يكون من بين الذين (حجوا) إلى بورتسودان بعض حسني النية… وهدفه سد الفراغ… وخدمة المزارع ولكن مثل هذا كان ينبغي أن يكون عارفاً أن هناك قانون مجاز يتجاوز مرحلة تمثيل المزارع الي تملكيهم القرار…
قبل عدة أسابيع قرأت في السوشال ميديا أن هناك نفر خير من أبناء الجزيرة… سعى إلى المسجل العام… طالباً منه إطلاق صفارة البداية لتكوين جمعيات المهن الزراعية والحيوانية في مشروع الجزيرة… وبالفعل اطلق صفارة البداية ولكن قابلها المزارعون باللامبالاة (الما بعرفك بجهلك) في معظم أنحاء الجزيرة وفي قسم المنسي قوبلت بالألاعيب.. فالبعوعي (ما ينوم) ابدا حتى ولو تم الهجوم عليه بكل مُسيرات الدنيا… أسأل الله من كل قلبي يكذب ظني ويجعلني مخطئاً في تقديري… فتقوم جمعيات المهن الزراعية في الجزيرة… لتنتهي مسرحية تمثيل المزارعين إلى الأبد.. ولتنتهي إمبراطورية الإداريين وبقية جماعة المصلحة المضادة .. فيصاب البعوعي بالشلل.. وتنهض إمبراطورية المزارعين والزراعيين… أيها السادة إن مشروع الجزيرة قادر على استيعاب عشرات الألوف إن لم نقل مئات الخريجيين من كليات الزراعة… إذا تم استعداله… و هو كبير السحرة بالنسبة للمشاريع الزراعية في السودان… فإذا انطلق فكلها سوف تنطلق.. ويومها ستكون نسبة الدخول في كليات الزراعة في السودان أعلى من الطب..إذا فك الله قيد مزراعي الجزيرة وكونوا جمعياتهم فإن المزارعين في كل السودان وفي رمشة عين سوف يحذوا حذوهم حتى الذين في القطاع المطري.. بشقيه الحديث والتقليدي وهذا الاخير هو الأكبر وهو الذي يحتاج إلى وقفة أكبر لأنه ظل يعطي من سكات أي بدون ضوضاء وبدون مقابل أقصد القطاع المطري التقليدي وإن شاء الله ستكون لنا معه وقفة بل وقفات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top