كشفت عنها غرفة مستوردي الوقود
انخفاض الجنيه..صدمة “هرمز” وفاقد الذهب
ارتفاع تكلفة الوقود عالمياً بنسبة 120%.. ضغط اقتصادي
فجوة تمويلية بـ”326″ مليون دولار.. رفع الطلب على العملات
“56” طناً من الذهب خارج القنوات الرسمية..تساؤلات
د. هيثم: يجب ضبط الاستيراد وتقوية آليات “المركزي”
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
كشفت الغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية عن ما وصفته بـالحقائق والأرقام المجردة التي تقف وراء الأزمة الاقتصادية الراهنة، مؤكدة أن قطاع استيراد الوقود أصبح هدفاً لاتهامات لا تستند إلى وقائع اقتصادية دقيقة، وخلال مؤتمر صحفي عقد بمدينة بورتسودان، شددت الغرفة على أن الأزمة التي واجهها قطاع الوقود خلال النصف الأول من عام 2026م ترتبط في جوهرها بمتغيرات عالمية حادة، على رأسها التوترات التي شهدها مضيق هرمز، إلى جانب تحديات داخلية تتعلق بإدارة موارد النقد الأجنبي واستيعاب عائدات الصادرات، لا سيما الذهب.
تفنيد الاتهامات
وأكد الأمين العام للغرفة القومية لمستوردي المشتقات البترولية، (بكري علي أبرسي)، أن المؤتمر الصحفي جاء استجابة لما وصفه بالتداول الواسع للشائعات والمعلومات غير الدقيقة حول دور شركات الوقود في ارتفاع أسعار الصرف، مبيناً أن الغرفة حرصت على تقديم صورة واضحة للرأي العام استناداً إلى بيانات رسمية صادرة عن بنك السودان المركزي ووزارة الطاقة، مؤكداً أن شركات الاستيراد تمثل جزءاً من المنظومة الاقتصادية الوطنية وليست سبباً مباشراً في الأزمة النقدية الراهنة، وأشار إلى أن الغرفة نجحت في توحيد رؤية الشركات العاملة بالقطاع وتقديم موقف مهني موحد يهدف إلى تعزيز الشفافية وتمليك المواطنين الحقائق الاقتصادية بعيداً عن الاتهامات والانطباعات غير المستندة إلى بيانات.
حَلَقة وصل
تضم الغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية والتي تم انتخابها قبل نحو ثلاثة أشهر ما بين 30 إلى 40 شركة عاملة في القطاع، وتعدُّ هذه الغرفة بمثابة الكيان الرسمي الممثل لشركات القطاع الخاص العاملة في استيراد وتوريد المشتقات البترولية بالسودان، وتعمل تحت مظلة الاتحاد العام للغرف التجارية السودانية، حيث تضطلع الغرفة بعدد من الأدوار الحيوية، أبرزها تنظيم عمليات الاستيراد وضمان مطابقة المشتقات البترولية للمواصفات القياسية السودانية، إلى جانب التنسيق المستمر مع الجهات الحكومية ذات الصلة، بما في ذلك وزارة الطاقة والنفط ووزارة المالية وبنك السودان المركزي، كما تساهم الغرفة في تأمين الإمدادات الاستراتيجية من الوقود للقطاعات الحيوية مثل النقل والزراعة والكهرباء، فضلاً عن تمثيل مصالح الشركات الأعضاء والعمل على معالجة العقبات التي تواجه القطاع بما يضمن استقرار الإمدادات في الأسواق المحلية.
أزمة عالمية
وخصصت الغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية، جانباً مهماً من المؤتمر لتوضيح التداعيات العالمية التي ألقت بظلالها على سوق الوقود السوداني، حيث أوضح المهندس أحمد الأصم، عضو الغرفة، أن الأزمة بدأت فعلياً منذ فبراير 2026م مع تصاعد التوترات في منطقة مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالمياً، ووفقاً للبيانات التي عرضها الأصم، قفز سعر برميل الجازويل من 86 دولاراً إلى 186 دولاراً خلال شهرين فقط، بنسبة زيادة بلغت 120%، وانعكس ذلك مباشرة على تكلفة الاستيراد، إذ ارتفعت قيمة الباخرة الواحدة المحملة بنحو 40 ألف طن من المشتقات البترولية من حدود 25 إلى 30 مليون دولار إلى أكثر من 70 مليون دولار، وهو ما ضاعف احتياجات النقد الأجنبي ورفع تكلفة توفير الوقود للسوق المحلي، وأكد الأصم أن هذه الزيادات كانت ستواجه أي جهة تقوم بالاستيراد، سواء كانت حكومية أو خاصة، باعتبارها نتيجة مباشرة للتقلبات العالمية وليس لسياسات الشركات المحلية.
ضغوط سعر الصرف
ووفقاً للبيانات التي استعرضتها الغرفة، فإن الضغوط التي تعرض لها سعر الصرف خلال الربع الأول من عام 2026م ترتبط بصورة أساسية بفجوة تمويلية كبيرة بين حصائل الصادرات واحتياجات الاستيراد، حيث أظهرت أرقام بنك السودان المركزي أن صادرات الذهب خلال الفترة من يناير إلى مارس بلغت نحو 370 مليون دولار، في حين بلغت فاتورة استيراد الوقود للفترة نفسها 697 مليون دولار، ما خلق فجوة تمويلية بلغت 326 مليون دولار، وترى الغرفة أن هذه الفجوة دفعت المستوردين للبحث عن مصادر إضافية للنقد الأجنبي لتغطية التزامات البواخر الراسية بالموانئ، الأمر الذي أدى إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية بصورة مفاجئة، ومن ثم ممارسة ضغوط كبيرة على سوق الصرف، كما أشارت إلى أن الرسوم الحكومية المفروضة على شحنات الوقود والبالغة 28% من قيمة الباخرة قبل التفريغ ساهمت بدورها في زيادة الأعباء التمويلية على الشركات.
ذهب مفقود
ولعل أكثر ما لفت الانتباه في المؤتمر الصحفي، هو ما طرحته الغرفة بشأن الفجوة الكبيرة بين إنتاج السودان من الذهب والكميات التي تدخل القنوات الرسمية، فبحسب بيانات وزارة المعادن، بلغ إنتاج السودان من الذهب خلال عام 2025 نحو 70 طناً، بينما لم تتجاوز الكميات التي تم تصديرها رسمياً عبر بنك السودان المركزي 14 طناً فقط، وتعني هذه الأرقام أن نحو 56 طناً من الذهب لم تظهر ضمن حصائل الصادر الرسمية، وهو ما اعتبرته الغرفة جوهر الأزمة الاقتصادية الراهنة، ووفقاً لتقديراتها، فإن القيمة السوقية لهذه الكميات تتجاوز 7.2 مليار دولار، وهو رقم يكفي لتغطية فاتورة استيراد الوقود والقمح والدواء والسلع الاستراتيجية الأخرى لمدة عام كامل، وترى الغرفة أن السودان لا يواجه أزمة موارد بقدر ما يواجه أزمة في إدارة الموارد وتوجيهها نحو النظام المصرفي والقنوات الرسمية.
حلول
وفي معرض طرحها للحلول، أبدت الغرفة تحفظها على قرار بنك السودان المركزي الخاص بإلزام شركات الاستيراد بإيداع 200 كيلوغرام من الذهب كضمان عيني، واعتبرت أن هذا الإجراء يؤدي إلى تجميد سيولة الشركات وخلق طلب إضافي على الذهب داخل السوق المحلية، الأمر الذي قد يسهم في رفع أسعاره وأسعار العملات الأجنبية بدلاً من تحقيق الاستقرار المطلوب، واقترحت الغرفة مجموعة من البدائل، شملت شراء الذهب بأسعار جاذبة ومجزية للمنتجين، وإصدار شهادات استثمار مدعومة بالذهب، وتفعيل نظام المقايضة بين الذهب والسلع الاستراتيجية، إلى جانب تقديم حوافز تصديرية إضافية وخفض الرسوم الحكومية المفروضة على واردات الوقود خلال فترات الأزمات العالمية، وأكدت أن استقطاب الذهب إلى القنوات الرسمية يمثل المدخل الأكثر فعالية لمعالجة اختلالات سوق النقد الأجنبي.
ضروريات مطلوبة
ويرى المحلل الاقتصادي دكتور هيثم فتحي أن من أهم وظائف البنك المركزي هي التحكم في سعر الصرف والمحافظة على استقرار السوق النقدي، وقال فتحي في إفادته للكرامة إن تحقيق هذا الهدف يتطلب تطبيق قرارات وإجراءات جديدة أكثر فاعلية، مبيناً أن قطاع الاستيراد عانى خلال السنوات الماضية من دخول وسطاء وسماسرة ليست لديهم قدرات مالية حقيقية، الأمر الذي أسهم في زيادة التشوهات داخل السوق، مؤكداً أن المستورد الذي لا يمتلك السيولة الذاتية أو الملاءة المالية الكافية ينبغي ألا يدخل مجال الاستيراد إلا بعد إثبات قدرته المالية، مبيناً أن الإجراءات الجديدة يمكن أن تسهم في الحد من نفوذ الوسطاء وتعزيز استقلالية السوق وتحسين كفاءة النشاط التجاري، ونوه دكتور هيثم فتحي إلى أن نجاح هذه الإجراءات يتطلب في المقابل تدخل الحكومة للحد من أي آثار جانبية قد تنعكس على حركة التجارة أو توفر السلع الأساسية، بما يضمن تحقيق التوازن بين الانضباط المالي واستقرار الأسواق.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فإن المعطيات التي طرحتها الغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية، تكشف أن أزمة الوقود وسعر الصرف في السودان لا يمكن اختزالها في نشاط الشركات المستوردة وحدها، بل ترتبط بتشابك عوامل خارجية وداخلية تبدأ من اضطرابات أسواق الطاقة العالمية ولا تنتهي عند ضعف الاستفادة من الموارد المحلية، وقد سلطت أرقام الذهب الضوء على تحدٍ أكثر عمقاً يتمثل في فقدان مليارات الدولارات خارج القنوات الرسمية، الأمر الذي يؤكد أن استقرار سعر الصرف، يبقى مرهوناً بقدرة الدولة على تعبئة مواردها الوطنية وتحويلها إلى قوة داعمة للاقتصاد بدلاً من أن تظل ثروة مهدرة خارج النظام المالي الرسمي.






