رئيس الوزراء أكّد توالي انخفاض العملات الأجنبية
حكومة الأمل..معالجة تراجع الجنيه
اختلالات عميقة ضربت بنية الاقتصاد..تحدّيات
خبير : الحل يكمن في زيادة الإنتاج وضبط الموارد
تقرير : محمد جمال قندول
تعكف حكومة الأمل على مباغتة التوقعات وحصار تراجع قيمة العملة المحلية، وذلك عبر خطط وسيناريوهات ستضع حداً لتقلبات الوضع الاقتصادي التي كان لها الأثر السالب في معاش الناس.
وشهد الجنيه تراجعاً كبيراً خلال الأسابيع الأخيرة وذلك جراء المضاربات، وهو ما رسم واقعاً غامضاً يطرح تساؤلات حول أداء حكومة الأمل برئاسة الدكتور كامل إدريس، والتي تقود البلاد في ظل واقع بالغ التعقيد.
التحدي
وأعلن الدكتور كامل إدريس رئيس الوزراء أن العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني ستوالي الانخفاض خلال الأيام القادمة.
وكشف رئيس الوزراء في تصريح لصحيفة “الكرامة” عن مفاجآت في مسار التعافي الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة، مشيداً باستجابة الدوائر الاقتصادية ذات الصلة لتحدي ارتفاع سعر الصرف وانخراطها في تنفيذ الخطط الكفيلة بضبط سعر الصرف والتي ستتواصل خلال الفترة القادمة، متوعداً المضاربين بمفاجآت في الطريق.
وأكد إدريس أن ما يحدث من انخفاض مستمر في سعر الصرف يعتبر بداية مرحلة برنامج التعافي الاقتصادي الذي تنفذه حكومة الأمل.
الأزمة
يرى الخبير الاقتصادي د. أسامة محمد عبد الرحيم أن الأزمة المستمرة والتدهور المستمر لسعر الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، وعلى رأسها الدولار، لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد أزمة سعر صرف أو خلل نقدي عابر، وإنما هي انعكاس مباشر لاختلالات عميقة تضرب بنية الاقتصاد الوطني، وتكشف حجم التراجع الذي أصاب قدرة الدولة على إدارة مواردها وأسواقها ومؤسساتها المالية بكفاءة.
ويشير أسامة إلى أن الحقيقة الأساسية التي ينبغي إدراكها أن سعر العملة الوطنية لا ينهار من تلقاء نفسه، وإنما ينهار عندما تفقد الدولة قدرتها على السيطرة على عناصر القوة الاقتصادية الأساسية المتمثلة في الإنتاج، الصادرات، الموارد السيادية، السوق، النظام المصرفي، والثقة العامة في المؤسسات الاقتصادية.
وفي الحالة السودانية، حسب الخبير الاقتصادي أسامة فإن الحرب الحالية فاقمت أزمة كانت موجودة أصلاً، حيث تراجعت الصادرات، تعطلت قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي، ضعفت الإيرادات العامة، ازداد الاعتماد على الواردات، واتسعت السوق الموازية التي أصبحت عملياً اللاعب الأكثر تأثيراً في تحديد قيمة العملة.
أضاف، تقارير حديثة أشارت إلى استمرار انهيار الجنيه مع تجاوزات كبيرة في السوق الموازية، نتيجة شح النقد الأجنبي والمضاربات واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق غير الرسمي.
ويرى د. أسامة أنه إذا أرادت الدولة إيقاف هذا التدهور، فإن المطلوب لا يتمثل في إجراءات جزئية أو قرارات مصرفية معزولة، وإنما في حزمة متكاملة من المعالجات الاستراتيجية. أولاً: استعادة الدولة السيطرة المباشرة على موارد النقد الأجنبي. حيث لا يمكن لأي دولة حماية عملتها بينما الذهب، والصادرات الزراعية، والثروات المعدنية، وعائدات التصدير تتسرب خارج النظام الرسمي. فالمطلوب هو فرض رقابة صارمة على صادر الذهب تحديداً؛ لأن الذهب أصبح في السودان المصدر الأكبر للنقد الأجنبي، ومع ذلك ما يزال جزء معتبر منه يغادر البلاد عبر التهريب أو خارج القنوات الرسمية.
ثانياً: تقليص الطلب على الدولار داخل السوق المحلية،
فأحد أسباب الضغط الكبير على الدولار هو لجوء الشركات الحكومية والخاصة والمستوردين إلى السوق الموازية لشراء العملات الأجنبية. ولهذا فإن توجه الحكومة مؤخراً للدخول المباشر في استيراد الوقود خطوة صحيحة من حيث المبدأ؛ لأنها تقلل الطلب التجاري على الدولار وتحد من المضاربات.
ثالثاً: توحيد القرار الاقتصادي وإنهاء تعدد مراكز اتخاذ القرار
من أخطر المشكلات التي واجهت السودان تاريخياً غياب التنسيق بين السياسات المالية والنقدية والتجارية. لا يمكن للبنك المركزي وحده أن يحمي الجنيه إذا كانت السياسات الحكومية الأخرى تسير في اتجاه معاكس. المطلوب غرفة اقتصادية موحدة تضم وزارة المالية، البنك المركزي، الجهات الأمنية الاقتصادية، ووزارات الإنتاج.
رابعاً: ضرب السوق الموازية والمضاربة المنظمة
السوق الموازية لم تعد مجرد نشاط فردي لتبديل العملات، بل أصبحت اقتصاداً كاملاً يتحكم في التسعير، ويؤثر على الاستيراد، ويخلق موجات هلع داخل السوق. المطلوب ليس فقط الملاحقة الأمنية، بل بناء بديل مصرفي قوي يتيح للمواطنين والتجار الوصول للنقد الأجنبي عبر النظام الرسمي بسهولة وشفافية.
خامساً: زيادة الإنتاج الحقيقي وليس فقط إدارة الأزمة النقدية
أي دولة لا تنتج ستظل عملتها ضعيفة. لا يمكن الدفاع عن الجنيه السوداني في ظل تراجع الإنتاج الزراعي، توقف المصانع، وتعطل سلاسل التصدير. المعركة الحقيقية ليست مع الدولار، بل مع ضعف الإنتاج المحلي. زيادة الصادرات هي المصدر الطبيعي لاستقرار العملة.
سادساً: مكافحة الفساد الاقتصادي والتهريب
جزء كبير من أزمة السودان النقدية مرتبط بتسرب الموارد، سواء عبر تهريب الذهب، التلاعب في عائدات الصادر، الاحتكار، أو الفساد في عمليات الاستيراد والعقود الحكومية. حماية العملة تبدأ من حماية الموارد الوطنية.
سابعاً: إعادة بناء الثقة في الجهاز المصرفي
عندما يفقد المواطن ثقته في البنوك ويتجه للاحتفاظ بالدولار أو الذهب أو النقد خارج النظام المصرفي، تضعف قدرة الدولة على إدارة السيولة والسياسة النقدية. لذلك فإن إصلاح القطاع المصرفي أصبح جزءاً أساسياً من معركة استقرار الجنيه.
وختم محدثي قائلا إن أزمة الجنيه السوداني ليست أزمة بنك مركزي فقط، بل أزمة دولة بكامل مؤسساتها والتجربة العالمية تؤكد أن العملة الوطنية لا يحميها القرار الإداري وحده، وإنما تحميها دولة قوية قادرة على الإنتاج، وضبط مواردها، ومحاربة الفساد، وفرض سيادتها على الاقتصاد. بمعنى أوضح:
لن يتعافى الجنيه السوداني بمطاردة الدولار فقط، ولكنه يتعافى باستعادة الدولة لسلطانها الكامل على الاقتصاد الوطني وفق رؤية كلية ومصفوفة عمل تنفيذية دقيقة وشاملة.






