تعميم من المركزي للبنوك بتنظيم طلبات النقد الأجنبي الاستيراد ..موجّهات جديدة

تعميم من المركزي للبنوك بتنظيم طلبات النقد الأجنبي

الاستيراد ..موجّهات جديدة

بنك السودان حدّد موعد استقبال طلبات تمويل الواردات..تنظيم

تواصُل ضخ النقد الأجنبي للمصارف ..تعافي سعر الصرف

خبير اقتصادي: يجب مراجعة السياسات المالية

تقرير :رحمة عبدالمنعم

في ظل تصاعد الضغوط على سوق النقد الأجنبي وتزايد الطلب على العملات الصعبة لتمويل عمليات الاستيراد، اتجه بنك السودان المركزي إلى اتخاذ خطوة تنظيمية جديدة تستهدف إحكام آليات تقديم طلبات النقد الأجنبي عبر المصارف التجارية، بما يعزّز الرقابة على الموارد المتاحة ويضمن توجيهها نحو الأولويات الاقتصادية والسلع الأساسية،ويأتي هذا التوجيه في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوداني تحديات معقدة تتصل بندرة مصادر النقد الأجنبي المستدامة، واتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، واستمرار حالة عدم اليقين في الأسواق، الأمر الذي يجعل من إدارة موارد النقد الأجنبي ملفاً بالغ الحساسية، لا يرتبط فقط بتمويل الاستيراد، بل يمتد أثره إلى استقرار سعر الصرف والأسعار وحركة النشاط التجاري في البلاد.
طلبات النقد
ووجّهت الإدارة العامة للأسواق المالية ببنك السودان المركزي تعميماً جديداً إلى كافة البنوك التجارية، قضى بتنظيم وتيرة تقديم طلبات توفير النقد الأجنبي المخصصة لعمليات الاستيراد، في خطوة تهدف إلى إحكام إدارة الموارد المتاحة من العملات الأجنبية وتوجيهها وفق الأولويات المعتمدة.
وبحسب التوجيه، يتعيّن على البنوك التجارية تجميع طلبات عملائها الخاصة بالنقد الأجنبي ورفعها إلى بنك السودان المركزي يومياً في موعد أقصاه الساعة الثانية عشرة ظهراً، على أن يتم ترحيل أي طلبات ترد بعد هذا التوقيت تلقائياً إلى يوم العمل التالي.
وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود البنك المركزي الرامية إلى تعزيز كفاءة إدارة النقد الأجنبي المتاح، وضمان تخصيصه بصورة أكثر شفافية للسلع الأساسية واحتياجات الاستيراد ذات الأولوية.
كما خصّصت الإدارة المختصة بريداً إلكترونياً محدداً لاستقبال كشوفات البنوك اليومية، بما يسهم في تسريع إجراءات المعالجة وتقليص الفجوة الزمنية في تمويل الواردات، دعماً لانسياب السلع الضرورية إلى الأسواق المحلية بصورة أكثر انتظاماً.
وشدّد بنك السودان المركزي على ضرورة التزام البنوك التجارية بالدقة التامة في إعداد الكشوفات اليومية، على أن تتضمن بيانات تفصيلية تشمل اسم العميل، وطبيعة السلعة المستوردة، وقيمة الطلب، وطريقة الدفع، وتاريخ الاستحقاق. وتندرج هذه الإجراءات ضمن مساعي السلطات النقدية لمراقبة تدفقات النقد الأجنبي وضمان توجيهها وفق الضوابط والأولويات المعتمدة لعمليات الاستيراد في البلاد.
ضخ العملات
وفي السياق ذاته، قالت إدارة الاتصال المؤسسي ببنك السودان المركزي إن البنك واصل عملية ضخ النقد الأجنبي للمصارف، مشيرة إلى أنه تمت الاستجابة لكل طلبات الاستيراد المقدمة من القطاعين الخاص والعام عبر المصارف التجارية، وذلك بواقع سعر 1220 جنيهاً للدرهم.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي، إن السودان يعاني نقصاً في مصادر الدولار المستدامة، الأمر الذي يزيد الضغط على العملة الصعبة ويجعل هناك حاجة مستمرة إلى توفير النقد الأجنبي للاحتياجات الأساسية.
وأضاف لـ«الكرامة»، أن ضغوط الطلب على الدولار دفعت الحكومة إلى تجديد تقييد بعض السلع الكمالية وإضافة سلع أخرى إليها، بهدف ترشيد استهلاك الدولار والسيطرة على الموازين الخارجية، لافتاً إلى أن هذه الضغوط تسببت في ارتفاع الدولار إلى أعلى مستوى له منذ فترة.
وتابع الدكتور هيثم قائلاً إن السوق السوداء لا تختفي بمجرد صدور قرار إداري، بل تنكمش أو تتمدّد وفق الفارق بين السعرين الرسمي والموازي، موضحاً أن السوق السوداء تنشأ عندما يكون هناك فرق بين السعر الرسمي وسعر التوازن، أو عندما يكون الوصول إلى الدولار عبر القنوات الرسمية محدوداً.
وقال: «في تقديري، فإن ضخ النقد الأجنبي في البنوك المحلية وتمويل الاستيراد من قبل البنك المركزي لن يكون كافياً لإعادة التوازن إلى سوق الصرف أو تحقيق استقرار دائم في قيمة الجنيه السوداني، ما لم تترافق هذه الخطوة مع إصلاحات مالية واقتصادية أوسع، وفي مقدّمتها ضبط الإنفاق العام، وإقرار ميزانية واضحة، ومكافحة الفساد، والحد من المضاربة على العملة الأجنبية. فاستقرار سوق الصرف مسؤولية مشتركة لا يمكن أن يتحملها بنك السودان وحده».
سياسة نقدية
وشدّد الخبير الاقتصادي على ضرورة وجود سياسة نقدية واضحة، مشيراً إلى أن هناك عدة أدوات لتحقيق الاستقرار في سوق الصرف، من بينها ضخ العملة الأجنبية في السوق، غير أن ذلك يجب أن يتزامن مع إجراءات أخرى تستهدف امتصاص فائض السيولة وتقليل حجم النقد المتداول.
وأكد أن نجاح السياسة النقدية يتطلب شراكة حقيقية مع الحكومة، وخاصة وزارة المالية باعتبارها الجهة المسؤولة عن إدارة الإنفاق العام، إلى جانب دور وزارة التجارة في ضبط الأسواق. واعتبر أن سياسات البنك المركزي الحالية تبقى حلولاً مؤقتة، لأن بنك السودان لا يزال يفتقر إلى بعض الأدوات والإجراءات المكملة.
وأضاف الدكتور هيثم أن الرسائل التطمينية الصادرة عن البنك قد تأتي بنتائج عكسية إذا لم تكن مدعومة بسياسات واضحة، إذ يمكن أن تثير مخاوف المواطنين وتدفعهم إلى المضاربة على الدولار بدلاً من تعزيز الثقة في السياسة النقدية.
وختم الخبير الاقتصادي إفادته بالقول إن التجار في الأسواق غير المستقرة، مثل السودان، يتعاملون بحذر مع أي تحسن في سعر الصرف، ولذلك لا يلجؤون إلى خفض الأسعار بسرعة ما لم يشعروا بوجود استقرار حقيقي ومستدام في سعر الصرف وسلاسل التوريد، إلى جانب وضوح السياسات الاقتصادية. وهذا يعني أن السوق قد يستجيب بسرعة لزيادة الكلفة، لكنه لا يستجيب بالسرعة نفسها لتحسن قيمة العملة.
تمويل الاستيراد
ويرى مراقبون أن التعميم الجديد يمثل محاولة من بنك السودان المركزي لتنظيم الطلب على النقد الأجنبي وتحسين آليات تمويل الاستيراد، غير أن فعاليته ستظل مرتبطة بمدى توفر موارد مستقرة من العملات الأجنبية، وبقدرة السياسات المالية والنقدية والتجارية على العمل بصورة متكاملة لكبح المضاربة، وضبط السيولة، واستعادة الثقة في سوق الصرف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top