غيّرت وجوه الناس وملامح المدن الحرب.. تحديات وإرادة

غيّرت وجوه الناس وملامح المدن

الحرب.. تحديات وإرادة

مشاهد الصراع اليومي من أجل البقاء..نبض الشارع

” لقمة العيش” تحوّلت إلى معركة يومية..الغلاء ومعاناة الأسر

الأطفال يغادرون المدارس إلى الأسواق..ظروف قاهرة

العائدون إلى الخرطوم ينتظرون تحركات الحكومة.. تفاؤل وأمل

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

لا يختلف اثنان على أن حرب الخامس عشر من أبريل 2023م والتي أشعلت فتيلها مليشيا الدعم السريع، قد أحدثت خسارة كبيرة في الأرواح والأنفس والممتلكات، والبنيات التحتية، بيد أن هنالك خسارة أخرى وكبرى لا ترصدها كاميرات الأخبار، لكنها ترتسم كل صباح على وجوه الناس، تتمظهر هناك، في الأسواق والأحياء والمخابز ووسائل المواصلات، تبدو الحرب وقد تركت آثارها على الملامح قبل أن تتركها على الخرائط، حتى بات كثيرون يشعرون أنهم “كبروا” سنوات طويلة في زمن قصير، وعلى الرغم من أن أصوات المدافع بدأت تخفت في كثير من المناطق، إلا أن معركة الحياة اليومية لا تزال أكثر قسوة بالنسبة لملايين السودانيين الذين يواجهون غلاءًا فاحشاً وغير مسبوق، وتراجعاً في فرص العمل، وضغوطاً دفعت الكثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة، والنساء وكبار السن إلى البحث عن أي مصدر دخل، فيما عاد آلاف النازحين واللاجئين إلى الخرطوم وهم يحملون أملاً كبيراً في بداية جديدة، لكنهم اصطدموا بواقع اقتصادي بالغ الصعوبة.
سكنت الوجوه
قد تستطيع المدن أن تعيد بناء شوارعها ومبانيها مع مرور الوقت، لكن إعادة بناء الإنسان تبدو المهمة الأصعب، فالحرب لم تكتف بتغيير شكل العاصمة الخرطوم، والمدن الأخرى، بل أعادت رسم ملامح الناس أنفسهم، تجاعيد مبكرة، ضمور في الوجوه، بياض في الرأس والذقون، إرهاق لا يخفى حتى الأعمى، وانحناءات لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة، فكل شخص تعرفه قبل اندلاع الحرب، تجده اليوم وكأنه تقدم في العمر ثلاثين عاماً دفعة واحدة، فالكثير من الأشخاص ممن كانوا يتمتعون بالصحة واللياقة، أصبحوا اليوم يسيرون بأجساد أنهكها التعب والضغوط، حتى إن بعضهم لم يعد يُعرف من الوهلة الأولى، وكأن الحرب مرت على وجوههم قبل أن تمر على بيوتهم، إنها خسارة لا تُقاس بالأرقام، لكنها ربما تكون الأشد قسوة… خسارة العمر الذي سرقته المخاوف، والسنوات التي أضافها القلق إلى وجوه السودانيين.
معركة “لقمة” العيش
في كل صباح، تبدأ آلاف الأسر السودانية حسابات جديدة مع الأسعار..كم رغيفاً يمكن شراؤه؟.. هل يكفي المال لشراء الزيت والخضروات؟.. وهل يمكن تأجيل شراء الدواء إلى الأسبوع المقبل؟.. بهذه الأسئلة الصعبة وغيرها يعيش المواطن يومه…
يقول المواطن النور عادل الذي تحدث للكرامة من الخرطوم، إن خمسين ألف جنيه كانت قبل سنوات قليلة تكفي احتياجات أسرة لفترة طويلة، أما اليوم فقد أصبحت تنفد في ساعات معدودة، بينما تحتاج الأسرة المتوسطة إلى هذا المبلغ تقريباً كل يوم حتى توفر الحد الأدنى من الغذاء، ولم يعد الغلاء مجرد ارتفاع في الأسعار، بل تحول إلى أسلوب حياة فرض على الأسر تقليص وجباتها، والاستغناء عن كثير من الاحتياجات الأساسية، والبحث عن بدائل أقل تكلفة، حتى أصبحت عبارة {تدبير اليوم} أهم من التخطيط للمستقبل، هي إذن معركة صامتة يخوضها السودانيون كل يوم، دون ضجيج، لكن آثارها تبدو واضحة في صحة الناس، وفي قدرتهم على الاحتمال.
واقع أليم
ربما تكون أكثر صور الحرب إيلاماً هي تلك التي ترى فيها طفلاً يحمل صندوق مناديل بدلاً من حقيبته المدرسية، ففي شوارع الخرطوم وفي مدن أخرى، أصبح مشهداً مألوفاً أن ترى أطفالاً يبيعون المياه والعصائر والمناديل والأكياس البلاستيكية، بينما كان يفترض أن يكونوا داخل المدارس يتعلمون، لقد استبدل الكثير من الأطفال الفصول الدراسية بالأرصفة، ويؤكد النور عادل أن كثيراً من الأسر لم يعد بإمكانها الاعتماد على دخل الأب وحده، فأصبح الجميع يعمل، من الطفل الصغير إلى الجدة المسنة، مبيناً أن نساءً تجاوزن سن العمل يقفن منذ الصباح لإعداد وبيع الطعمية (الفلافل) واللقيمات، وأطفال يجوبون الشوارع بحثاً عن زبون يشتري منهم شيئاً يسهم في توفير رغيف أو خضار للأسرة، لقد فرضت الحرب واقعاً جديداً، أصبحت فيه الطفولة نفسها جزءاً من معركة البقاء.
عائدون إلى الخرطوم
لم يكن قرار العودة الطوعية إلى الخرطوم سهلاً بالنسبة لآلاف السودانيين الذين عاشوا شهوراً طويلة في اللجوء أو النزوح، فقد عاد كثيرون بدافع الحنين، وإيماناً بأن الوطن لا يُستبدل، وأن صفحة جديدة توشك أن تبدأ، لكن الواقع الاقتصادي كان أكثر قسوة مما توقعوا، لقد اصطدمت فرحة العودة بغلاء المعيشة، ويرى المواطن رمضان إدريس الذي تحدث للكرامة من منطقة الحاج يوسف بشرق النيل أن عدداً من العائدين الذين التقاهم فوجئوا بحجم الغلاء، وأقروا بأنهم لم يتصوروا أن تكون تكاليف الحياة قد وصلت إلى هذا المستوى، وقال إنه رغم هذه الصدمة، لا يزال كثيرٌ من الناس متمسكين بالبقاء، لأن العودة بالنسبة لهم ليست مجرد انتقال جغرافي، بل استعادة للحياة، وهم ينتظرون أن يسبق تحسن المعيشة اكتمال مشهد السلام، حتى تصبح العودة بداية للاستقرار، لا بداية لمعاناة جديدة.
ألم وأمل
ورغم كل ما مر على السودان خلال سنوات الحرب الأربع، لا تزال في المجتمع قدرة مدهشة على الصمود، فنجد في الأحياء، يتقاسم الجيران ما يتيسر من الطعام، وتظهر مبادرات شبابية لمساعدة الأسر الأكثر حاجة، وتحاول الأسواق أن تستعيد شيئاً من حركتها، كما بدأت أعداد من النازحين والعائدين تعيد الحياة إلى أحياء كانت خالية، قطعاً هذه الروح وحدها لا تكفي، فالمواطنون الذين تحدثت إليهم (الكرامة) لا يبحثون عن رفاهية، ولا ينتظرون حلولاً خارقة، بل يطالبون بما هو أبسط من ذلك بكثير: أن يستطيعوا شراء احتياجات أسرهم دون خوف، وأن يعود أطفالهم إلى مقاعد الدراسة بدلاً من أرصفة الأسواق، وأن تتوفر لهم أبسط مقومات الحياة، من خدمات الصحة، والماء، والتعليم والكهرباء حتى تصبح العودة إلى الوطن بداية لحياة كريمة، لا اختباراً جديداً للصبر.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فإن أكثر ما يلخص المشهد أن الحرب، مهما غيّرت ملامح المدن، فإنها لن تستطيع أن تنتزع من السودانيين إيمانهم بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
ويبقى هذا الإيمان هو رأس المال الحقيقي الذي يستحق أن يُبنى عليه السلام، وينبغي على حكومة الأمل أن تنطلق من هذه المفاهيم لتبني كل السياسات الرامية إلى إعادة بناء الإنسان، قبل إعادة بناء الحجر، وترميم المكان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top