وزير الموارد البشرية أكد حدوث تغييرات سكانية حرب المليشيا..مخطّط ديمغرافي

وزير الموارد البشرية أكد حدوث تغييرات سكانية

حرب المليشيا..مخطّط ديمغرافي

تغيير هوية البلاد..مشروع استعماري حديث

من إشراك المرتزقة إلى توطين الشعوب ..مراقبون يحذرون

مطامع ذهب وأراضي دارفور..تهديد وجودي

عائلات كاملة وصلت البلاد..طمس الحواكير التاريخية

تقرير – لينا هاشم

لم تعد الحرب المستعرة في السودان منذ أكثر من ثلاث سنوات مجرد صراع مسلح على السلطة والنفوذ، بل تحولت إلى ما يصفه خبراء ومسؤولون بأنه “أخطر مشروع استعماري ديموغرافي” يهدد الوجود السوداني.
ففي الوقت الذي أقرّ فيه وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، بإحداث الحرب تغييرات قاسية وعميقة في التركيبة السكانية وسوق العمل، كشفت تقارير دولية وميدانية عن مخطط ممنهج تقوده مليشيا الدعم السريع لإفراغ الأرض من سكانها الأصليين عبر التطهير العرقي، وإحلال مجموعات وعائلات وافدة من دول الساحل الإفريقي مكانهم بقوة السلاح، وسط تحذيرات من مؤشرات لإبادة جماعية ترسم خريطة جديدة وهوية مغايرة للبلاد .
تغييرات
وأكد وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، أن الحرب الجارية في السودان منذ أكثر من 3 سنوات أحدثت تغييرات عميقة في الواقع والتركيبة السكانية، أبرزها النزوح واللجوء وتدهور الخدمات الأساسية في عدد من المناطق بالبلاد ،وأوضح الوزير أن هذه التغييرات القاسية شملت أيضاً اتساع دائرة الفقر وفقدان قطاع كبير من المواطنين لمصادر دخلهم المعتادة بجانب التغيرات الكبيرة والعميقة الأخرى التي طالت بنية سوق العمل وأثرت سلباً على رأس المال البشري في البلاد.
تهديد وتدمير
ويري مراقبون أن مليشيا الدعم السريع تدمر خريطة البلاد الديموغرافية عبر ثلاثية التطهير العرقي والتهجير وإحلال مجموعات سكانية موالية مكان أبناء الأرض، وللسيطرة عليهم تعين قادة للإدارات الأهلية الجديدة وتقتل القيادات القبلية الشرعية.
وأكدت الأمم المتحدة في تقرير عن عناصر مليشيا الدعم السريع تسأل النازحين والعائدين علانية عن بعض القبائل لتقتلهم جميعاً
وهي تريد القضاء على البشرة السوداء في دارفور، وفق ما جاء في تقرير السودان مؤشرات الإبادة الجماعية في الفاشر”، الصادر عن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان في 17 فبراير 2026.
وفي مناطق جبل مرة وسط دارفور تم استيطان منطقة يطلق عليها دوقي وتحويل اسمها إلى أم القرى، وهي أراضٍ تتبع لقبيلة الفور، وبعد طرد سكانها تم إحلال أحد فروع قبيلة الماهرية العربية “أولاد منصور” وتعيين أحد أفراد أسرة قائد المليشيا عمدة لها ويدعى جمعة دقلو.
ابادة جماعية
وأكد مراقبون أن ذلك يعتبر انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، بجانب تشكل عناصر الإبادة الجماعية للمجموعات العرقية الأفريقية.
وخلال الفترة بين 26 أكتوبر وحتى الثامن من ديسمبر الماضي بلغ عدد مشردي ولاية شمال دارفور 107 آلاف فرد، يمثلون أكثر من 24 ألف أسرة”، وفق بيانات المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية المقدمة في بداية العام الجاري إلى مجلس الأمن الدولي عملا بالقرار 1593 (2005)، ومن بين هؤلاء الضحايا الناشطة في المجتمع المدني حواء محمود التي فرت من مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، حيث كانت تسكن، لتستقر في معسكر اللاجئين بمدينة أدري أقصى شرق تشاد على الحدود مع السودان، وتروي ما جرى في 23 إبريل 2023 حين دهمت 4 سيارات عسكرية تابعة لمليشيا الدعم السريع المنطقة التي تسكن بها وأطلقت النار قبل أن تهاجم أحياء في المنطقة الجنوبية من المدنية والتي تقطن بها قبيلة المساليت الأفريقية.
ووقتها قتل “800 شخص في حي أردمتا بمدينة الجنينة”، بحسب بيان المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الصادر في 10 نوفمبر 2023. ومن بين الضحايا، والد حواء إذ أرداه جنود المليشيا بمجرد دخول المنزل، كما تقول، مضيفة بألم: “منعونا من دفنه لمدة ثلاث أيام.
السيطرة على الموارد
بعض المتابعين يرون أن أبرز أهداف مليشيا الدعم السريع في تهجير القبائل الأفريقية السيطرة على مواردهم كالأراضي الزراعية، ومناطق التعدين الغنية بالذهب.
ولم تعد الحرب في السودان مجرد صراع داخلي ، ما يجري اليوم يتجاوز تعريف التمرد المسلّح ويتفوق على مسميات حرب النفوذ والتمويل الخارجي وتقاطع المصالح الإقليمية.
وأشار مراقبون الي ان السودان اصبح أمام مشروع مركّب متعدد الطبقات، يستند إلى أدوات عسكرية وأمنية واقتصادية وديموغرافية، ويستغل انشغال المجتمع الدولي بصراعات أكبر .
وأكدوا أن الخطير في الأمر يتلخص في أن العملية لم تبقَ عند حدود جلب المرتزقة أو تسيير قوافل السلاح، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر عمقاً وجرأة توطين شعوب كاملة داخل الأراضي السودانية بتنسيق مباشر مع مليشيا الدعم السريع، وبمباركة دول جوار ترى في الانهيار السوداني فرصة لتغيير الخرائط الحدودية والاقتصادية والقبلية على المدى الطويل
مُخطط ديمغرافي
واعتبر محللين سياسيين أن التغيير الديموغرافي القسري ليس ظاهرة جديدة في الحروب، لكنه بلغ في السودان مرحلة تتطلب كشفه للرأي العام وتفكيك بنيته قبل أن يتحول إلى أمر واقع يصعب عكسه .
ومنذ بداية الحرب، وثّقت مصادر حقوقية دولية دخول موجات من المقاتلين القادمين من دول الساحل، تشاد، النيجر، نيجيريا، إفريقيا الوسطى، مالي، وحتى بعض الوافدين من مناطق أخرى .
وكان الدافع الأساسي في البداية هو الأجر السريع، والانخراط المؤقت في القتال مقابل المال وهذا المستوى من التدخل لم يكن جديداً على المنطقة، فالحدود الواسعة، والمجتمعات العابرة للدول، وانتشار السلاح جعلت حركة المرتزقة جزءاً من اقتصاد الحرب ، وارسال شعوب كاملة للاستيطان داخل السودان وهنا حدث الانفصال الأخلاقي والاستراتيجي الأكبر .
مجموعات قتالية
يشير مراقبون الي ان الوافدين لا يأتون كمجموعات قتالية فقط، بل كعائلات كاملة، يتم دمجها ضمن مخطط استيطان موزع جغرافياً في شمال وغرب دارفور .
هؤلاء ليسوا «لاجئين» بأي معنى إنساني معروف؛ فهم يدخلون الأراضي السودانية تحت حماية السلاح، ويتم دعمهم من مليشيا تسيطر مؤقتاً على بعض المناطق .
وأكدوا أن هذا التحول يعني أن الصراع لم يعد مجرد تنافس على السلطة، بل محاولة لفرض واقع ديموغرافي جديد في مناطق تتعرض لفراغ سكاني بسبب الحرب والجرائم والانتهاكات الواسعة .
تقارير حقوقية
ووثّقت تقارير حقوقية دولية جريمة تفريغ مناطق واسعة من سكانها الأصليين عبر القتل الجماعي وحرق القرى واغتصاب النساء والتهجير القسري ونهب الممتلكات وملاحقة الفارين ، هذه ليست أحداثاً متفرقة بل نمط مُمنهج .
وبعد عمليات التفريغ، تم إدخال مجموعات وافدة عبر الحدود، خصوصاً من تشاد وافريقيا الوسطى والنيجر ومالي وتم توزيعهم في غرب دارفور وشمال دارفور ، بالإضافة إلى وجود حالات استيطان داخل مناطق زراعية كانت مملوكة لقبائل سودانية معروفة ،ويتم منح الوافدين أراضي زراعية ومنحهم مواشي منهوبة وتوفير الأمن المحلي لهم عبر قوات الدعم السريع وادماج الشباب منهم في وحدات قتالية استخدمت لاحقاً في خطوط النهود والخوي والهدف مزدوج وهو تثبيت وجود ديموغرافي بالإضافة الي تعزيز القوة العسكرية .
وأشار مراقبون أن مليشيا الدعم السريع قدمت لآلاف الوافدين والمرتزقة وعوداً تتعلق بحيازة الأراضي السودانية بشرط احتلال كامل كردفان وهذا ليس وعداً عابراً، بل جزء من رؤية لإعادة رسم الخارطة السكانية والسياسية في الإقليم الغربي للسودان .
ويري مراقبون أن ادخال عشرات الآلاف من الوافدين سيغير شكل المجتمعات المحلية وميزان القوى القبلي ونمط الإنتاج الزراعي وتوزيع الموارد ونسب السكان وهذا يشكل تهديداً وجودياً .
وحذروا من أنه بعد سنوات قليلة، يمكن للمستوطنين الادعاء بأنهم سكان أصليين ومواطنون بحكم الواقع وأصحاب أراضٍ ويصبح إخراجهم شبه مستحيل .
واذا استمر الاستيطان، فإن دارفور ستتحول إلى امتداد جغرافي لمجتمعات الساحل، ما يُفقد السودان سيادته على حدوده الغربية .
وأكد مراقبون أن السودان اليوم أمام أخطر مشروع استعماري في تاريخه الحديث، لكنه استعمار بلا رايات، بلا أعلام، بلا جيوش نظامية . استعمار يتم عبر المليشيات، والمرتزقة، وتغيير السكان بالقوة ، انها معركة وجود وليست معركة حدود ، معركة هوية وليست معركة سلطة ومعركة أمة تُقاتل كي لا تتحول إلى فراغ قابل للمصادرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top