اندياح
داليا الياس
ترسيم حدود
مع تسارع إيقاع الحياة وإرتفاع معدّل الضغوطات….ورغم تراجع الداعمين والمساندين على أيامنا هذه…يبدو أن البعض لم يعد يكتفي بإدارة حياته… بل يسعى لإدارة حياة الآخرين كذلك… وكأن الناس مشاريع مفتوحة للنقد والتعديل والتوجيه القسري والحجر والتطاول.
إن التدخل في حياة الآخرين لم يعد مجرّد سلوك تلقائي عابر ….بل أصبح عادة يومية سيئة ومتعمّدة عند البعض… تبدأ بسؤال بريء….وتنتهي بفرض رأي مغاير…ثم تتحول إلى حكم قاطع على إختيارات لا يعيشون تداعياتها أصلاً ولا تعنيهم.
وتتمثل الحقيقة البسيطة التي يهرب منها الكثيرون في أنه ليست كل حياة تحتاج وصاية… وليست كل تجربة تستحق التعليق….وليس كل الوقائع مشاعة ومتشابهة…..إن
لكل إنسان قصته غير المحكية… وظروفه الشخصية….ومشاعره الخاصة… ومعاركه الداخلية…وأشواقه وأمنياته ومخاوفه وأسراره ومنطقته الرمادية.
وما يبدو لك خطأً قد يكون بالنسبة له محاولة للنجاة… وما تراه ضعفاً قد يكون أقصى ما يستطيع تقديمه في تلك اللحظة وفق إمكانياته.
وبهذا لا يعد التدخل في حياة الآخرين حباً في المطلق… ولا حرصاً على مصلحة…. أحياناً يكون إحراجاً….أو تجريحاً….أو تنكيلاً….أو شماتة….أو فرض وصاية لم نُطالب بها.
وأحياناً أخرى يكون رغبة خفية في السيطرة…وحباً للتملك…. أو يكون مجرد فضول ونرجسية وأنانية لا أكثر…..والشاهد أن النتيجة بالأخير واحدة….إنتهاك لمساحة لا نملك حق دخولها.
فمن حق كل إنسان أن يختار طريقه… حتى لو تعثر فيه….. من حقه أن يُخطئ… أن يُجرب… أن يندم… أن يتعلم….أن يتحمل المسئولية ويدفع الثمن وحده….لأن الحياة لا تُعاش بالنصائح فقط، بل بالتجارب… حتى وإن كانت مؤلمة .
والمحزن حقاً … أن بعض الناس لا يمنحونك حق الخطأ….كأنهم يطالبونك بحياة مثالية على مقاس أفكارهم…. لا على مقاسك أنت ولا على مقاس المنطق…بل ولا على مقاس واقعهم هم أنفسهم…إذ يحللون لأنفسهم مايحرمونه عليك….يظلون يراقبون قراراتك… ويُصنفون اختياراتك… ويضعونك في قوالب لا تشبهك،….ثم يستغربون لماذا تحتج وتنفر وتبتعد!.
ودعونا نقولها بوضوح… لو إنشغل كل إنسان بإصلاح حياته بدلًا من إدارة حياة غيره… لاختلفت أشياء كثيرة….لأن التدخل لا يُصلح الآخرين بقدر ما يُفسد العلاقات.
إن الحرية في اتخاذ القرار ليست رفاهية… بل حق إنساني أساسي….حق أن تقول “نعم” أو “لا” وفق معطياتك… أن تختار من تحب….أن ترسم خارطتك… وأن تتحمل نتيجة قراراتك دون وصاية أو ضغط.
ولا يعني ذلك أن نلغي النصيحة أو التوجيه… ولكن هناك فرق كبير بين نصيحة تُقال باحترام… وتُترك لصاحبها حرية القبول أو الرفض… وبين تدخل يُفرض بالقوة وكأنه أمر واجب التنفيذ…الأسلوب هو معيار الفرق….والعلاقات الصحية السوية تُبنى على الثقة… لا على التحكم….. على القبول… لا على التشكيك….. على الاحترام، لا على الإملاء.
وفي النهاية…شئت أم أبيت عليك أن تدع الناس يعيشون كما يريدون… وأن تترك لهم حق أن يكونوا أنفسهم….. لأنك مهما حاولت… لن تعيش حياتين… حياتك وحياتهم.
فاختر فقط أن تعيش حياتك جيداً… واترك للآخرين شرف خوض تجاربهم وتحمل تبعاتها بطريقتهم.
*تلويح:
(ماتضغطوني شديد…خلوني في حالي).






