هاجمت بكثافة واستهدفت الخرطوم ونهر النيل وشمال كردفان
مُسيّرات المليشيا.. سلاح اليأس
الدفاعات الجوية أسقطتها.. إفشال الهجوم
محاولات تدمير المنشأت وتعطيل الخدمات.. إثارة قلق المواطن
خبير : اختيار التوقيت بغرض تشتيت تركيز الجيش
تقرير: محمد جمال قندول
بعد أن أصابها اليأس والانهيار، مع اقتراب الجيش أكثر وأكثر من تطهير ما تبقى من جيوبها بكردفان في الطريق لدارفور، حيث الموعد الأكبر، أطلقت مليشيا الدعم السريع صباح أمس طائرات مسيّرة انتحارية بولايات الخرطوم، ونهر النيل، وشمال كردفان، إذ أسقطت الدفاعات الجوية مسيّرات في عطبرة، والدامر، والأبيض.
استهداف
ولا يبدو بأن هزائم مجموعات حميدتي الإرهابية فقط محصورة عسكرياً وسياسياً، ولكن صبر وقوة الشعب السوداني أضحت تخيفهم، وهم يتابعون أفواج العائدين بالآلاف بولايات السودان المختلفة، خاصة العاصمة الخرطوم، والتي تستقبل أعداداً كبيرة من المواطنين، كما شهدت عودة الحكومة ومؤسسات الدولة في مطلع العام الجاري.وكانت مليشيا الدعم قد تلقت خلال الآونة الأخيرة هزائم ساحقة في محاور كردفان، وسط توقعات بأن يكون ما تبقى من العام حاسماً، وذلك وفق ما ذكره رئيس أركان القوات المسلحة عضو مجلس السيادة الفريق أول ياسر العطا في تصريحات سابقة بأنه مع نهاية العام سيتم تحرير كامل أرجاء البلاد.
وتعود مُسيّرات المليشيا لاستهداف البنى التحتية في محاولة لإعادة الخوف إلى المشهد وعرقلة عودة المواطنين وحركة الإعمار، حسب رئيس تحرير المقرن محجوب أبو القاسم. ويتابع، لكن المعركة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة إرادة بين مشروع الخراب وإرادة الحياة.
ويرى أبو القاسم أنه كلما اتسعت دائرة العودة واستعادت المدن خدماتها، تصاعدت محاولات ضرب المنشآت الحيوية وبث القلق في نفوس المواطنين من قبل مليشيا الإمارات المتمردة، غير أن شعباً ذاق مرارة النزوح واللجوء والتشرد بات أكثر تمسكاً بأرضه وأقل استعداداً للعودة إلى طريق التهجير.
ويذهب رئيس تحرير المقرن إلى أن المسيّرات تستطيع تدمير منشأة أو تعطيل خدمة، لكنها لن تهزم إرادة العودة، فكل بيت يُعاد بناؤه، وكل مدرسة تفتح أبوابها، وكل مستشفى يستعيد نشاطه يمثل انتصاراً على الحرب ومشروع الخراب.
ويضيف، الرد الأقوى على المسيّرات ليس إسقاطها في السماء فحسب، وإنما مواصلة الإعمار وتأمين المدن واستعادة الخدمات وتسريع عودة المواطنين، فالإعمار يحول الخوف إلى ثقة ويثبت أن مستقبل السودان لا تحدده أدوات الحرب. وفي المقابل، يظل الطريق أمام التمرد مفتوحاً نحو إنهاء القتال إذا اختار وضع السلاح والانخراط في مسار سياسي يوقف نزيف البلاد.
ويشير محجوب إلى أننا أمام اختبار جديد، لكن المعادلة تبدو واضحة: كل مسيّرة تستهدف الحياة تقابلها إرادة أقوى في إعادة الحياة، وكل بيت يعود إليه أهله هو إعلان جديد بأن السودان لن يبقى أسيراً للحرب.
تطورات
ولم يعد المواطنون يكترثون أو تخيفهم أصوات المُسيّرات، وليس ببعيد المقطع الرائج بمنصات التواصل الاجتماعي لطفلة صغيرة وهي تقول: (دي مسيّرة صغيرة).
ويرى العميد الدكتور جمال الشهيد الخبير الاستراتيجي المتخصّص في الشؤون الأمنية والعسكرية أن التطورات العسكرية الأخيرة في السودان، والمتمثلة في إحباط هجمات المسيّرات التي استهدفت مواقع حيوية في الخرطوم وعطبرة والدامر، بالتزامن مع المعارك الدائرة في مدينة قيسان بولاية النيل الأزرق على الحدود الإثيوبية، تعكس دخول الحرب مرحلة أكثر تعقيداً من حيث تعدد مسارح العمليات وتنوع أدوات القتال.
ويقول العميد الدكتور جمال الشهيد إنّ تكثيف استخدام المسيّرات يمثل محاولة للانتقال بالمعركة من خطوط المواجهة المباشرة إلى العمق الاستراتيجي للدولة، مشيراً إلى أن هذا النوع من السلاح يوفر قدرة على الوصول إلى مناطق بعيدة نسبياً عن خطوط التماس، واستهداف منشآت حيوية أو محاولة التأثير على منظومات الإمداد والحركة والاتصالات.
ويضيف أن المعيار الحقيقي لنجاح هجمات المسيّرات لا يتمثل في إطلاقها أو وصولها إلى المجال الجوي للهدف، وإنما في قدرتها على اختراق منظومات الرصد والإنذار والدفاع الجوي، ثم إصابة أهداف ذات قيمة عسكرية وإحداث تأثير عملياتي مُستدام.
ويرى الشهيد أن إحباط هذه الهجمات يمثل مؤشراً مهماً على قدرة القوات المسلحة على التعامل مع أحد أخطر أنماط الحرب الحديثة، خصوصاً أن المعركة بالمسيّرات أصبحت تعتمد بصورة كبيرة على التكامل بين الاستخبارات والإنذار المبكر والدفاع الجوي والقدرة على تحديد مصادر التهديد والتعامل معها.
ويشير العميد الدكتور جمال الشهيد إلى أن استهداف عطبرة والدامر، إلى جانب الخرطوم، يحمل دلالات تتجاوز الأهداف التكتيكية المباشرة، باعتبار أن ضرب مناطق بعيدة عن خطوط القتال يمكن أن يستهدف العمق اللوجستي والاستراتيجي للدولة، ومحاولة رفع تكلفة الحرب وإرباك الحركة والإمداد وإحداث أثر نفسي وإعلامي.
ويؤكد جمال أن المسيّرات، رغم أهميتها، لا تستطيع بمفردها حسم الحرب، قائلاً إن “المسيّرة تستطيع ضرب هدف، لكنها لا تستطيع احتلال أرض أو تأمين مدينة أو إدارة السكان، ولذلك فإن قيمتها الاستراتيجية تظل مرتبطة بما تستطيع القوات البرية تحقيقه على الأرض”.
التزامن
وكانت مليشيا الدعم قد تلقت خلال الآونة الأخيرة هزائم ساحقة في محاور كردفان، وسط توقعات بأن يكون ما تبقى من العام حاسماً، وذلك وفق ما ذكره رئيس أركان القوات المسلحة عضو مجلس السيادة الفريق أول ياسر العطا في تصريحات سابقة بأنه مع نهاية العام سيتم تحرير كامل أرجاء البلاد.
في مقابل ذلك، يرى الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي عمار العركي أن إطلاق المليشيا موجة من المسيّرات الانتحارية على أم درمان والدامر وعطبرة والأبيض ومناطق أخرى، بالتزامن مع هجومها على مدينة قيسان في محاولة لإدارة ضغط متزامن على القوات المسلحة، جواً وبراً، في أكثر من مسرح عمليات.
ويشير العركي إلى أن اختيار هذا التوقيت يهدف إلى تشتيت تركيز القوات المسلحة واستنزاف دفاعاتها، خصوصاً أن المسيّرات المهاجمة انتحارية انقضاضية وليست مسيّرات استراتيجية، والانتحارية سلاح تكتيكي بهدف الإغراق، والإرباك، والاستنزاف، وفرض حالة من الاستنفار على مساحات جغرافية واسعة.
ويوضح العركي أن الوصول إلى المدن المهمة المستهدفة وتباعد جغرافيتها أهم من إصابة أهداف بعينها في تلك المدن؛ فالمليشيا تريد أن تقول إنها قادرة على الوصول إلى العمق، وتهديد مدن بعيدة عن مسارح العمليات، وإرباك حركة القوات والخدمات، وخلق أثر نفسي وإعلامي يتجاوز النتائج العسكرية المباشرة.
ويرى الخبير الاستراتيجي العركي أن التزامن مع هجوم قيسان يكشف عن محاولة لربط الضغط الجوي بتحرك بري، أملاً في تشتيت جهد القوات المسلحة ومنعها من تركيز ثقلها في محاورها الرئيسية. لكن صد الهجوم على قيسان، بالتزامن مع التصدي للمسيّرات في عدد من المناطق، حرم المليشيا من تحقيق الاختراق البري الذي كان يمكن أن يمنح هذه الموجة قيمة عملياتية أكبر.
وبالتالي، الرسالة التي أرادت المليشيا إيصالها هي أنها ما زالت قادرة على المبادرة والوصول إلى العمق، وأن الحرب لم تعد محصورة في خطوط التماس؛ بينما تكشف طبيعة السلاح المستخدم أن الهدف الأقرب هو الاستنزاف والضغط النفسي وإرباك الخصم، وليس تحقيق تحول استراتيجي. وختم محدثي قائلاً إن المليشيا حاولت صناعة ضجيج عملياتي واسع، جواً وبراً، لتعويض الهزائم العسكرية والنفسية الأخيرة في ظل تراجع وانهيار ومحدودية قدرتها على تحقيق اختراقات ميدانية كبيرة.






