واصل ضخ النقد الأجنبي للمصارف وأصدر تعميماً
البنك المركزي..ضوابط جديدة
تحديث بيانات العملاء وتشديد الرقابة على المعاملات..ضبط
مساحة اكبر للمصارف في حصائل الصادر وتمويل الاستيراد..مرونة
هيثم فتحي: استقرار سعر الصرف مرهون بزيادة الإنتاج والصادرات
تقرير – رحمة عبدالمنعم
يمضي بنك السودان المركزي في مسار يجمع بين توفير النقد الأجنبي للجهاز المصرفي وتشديد الرقابة على حركة الأموال والحسابات، في محاولة لتعزيز استقرار سوق الصرف ورفع كفاءة القطاع المصرفي، وسط تحديات اقتصادية متراكمة فرضتها الحرب وتراجع الإنتاج والصادرات واضطراب النشاط التجاري.
النقد الأجنبي
وأكد البنك المركزي أمس الأربعاء في بيان، استمرار عمليات ضخ النقد الأجنبي عبر المصارف وفق السياسات والإجراءات والضوابط المعتمدة، بما يسهم في تلبية احتياجات العملاء، خاصة المستوردين، ودعم استقرار سوق النقد الأجنبي.
وأوضح البنك أنه سيواصل الاستجابة لطلبات المصارف الرامية إلى توفير العملات الأجنبية لعملائها من المستوردين متى ما استوفت تلك الطلبات الاشتراطات والضوابط المقررة، في خطوة تعكس سعيه إلى إعادة جانب أكبر من عمليات الطلب على النقد الأجنبي إلى القنوات المصرفية الرسمية.
وفي سياق مراجعة سياساته المنظمة لسوق الصرف، سمح بنك السودان للمصارف بشراء حصائل الصادر وفق الأسعار المعلنة من جانبها، كما ألغى شرط التنسيق المسبق معه قبل استخدام تلك الموارد في تمويل عمليات الاستيراد.
وشملت القرارات كذلك إلغاء التعميم الصادر في 28 يونيو 2026، والذي كان يلزم المصارف بتطبيق سعر صرف الضخ الذي يحدده البنك المركزي عند تنفيذ طلبات الاستيراد، وذلك ضمن مراجعة الإجراءات المتعلقة باستخدام موارد النقد الأجنبي ومنح المصارف مساحة أوسع في إدارة مواردها وفق الضوابط المعتمدة.
وتأتي هذه التحرّكات في وقت يسعى فيه البنك المركزي إلى تحقيق قدر من التوازن بين مرونة سوق النقد الأجنبي وضبط العمليات المصرفية، بما يقلل من الضغوط على السوق الرسمية ويحد من انتقال الطلب إلى السوق الموازية.
تشديد رقابي
وبالتوازي مع الإجراءات المتعلقة بالنقد الأجنبي، أصدر بنك السودان توجيهات للمصارف بتحديث بيانات العملاء الذين لم تستكمل أو تحدّث بياناتهم، ومنح فترة أقصاها شهران اعتباراً من الأول من أغسطس، مع تجميد الحسابات غير المستوفية للمتطلبات بعد انقضاء المهلة.
وتندرج الخطوة ضمن تشديد الضوابط المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح، إلى جانب تعزيز قدرة الجهاز المصرفي على التعرف على هوية العملاء ومتابعة طبيعة معاملاتهم.
ووجه البنك المصارف إلى توفير وتشغيل أنظمة تقنية متخصصة لمراقبة حركة الحسابات والمعاملات المصرفية بصورة مستمرة، بما يساعد على رصد العمليات غير الاعتيادية واكتشاف الأنماط المالية المشبوهة مبكراً.
تحديث البيانات
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي أن تحديث بيانات العملاء بصورة دورية يمثل أحد المتطلبات الأساسية لسلامة العمل المصرفي، إذ يتيح للمصارف التأكد من هوية أصحاب الحسابات وإمكانية التواصل معهم، إلى جانب توفير قاعدة معلومات دقيقة ومحدثة.
ويقول فتحي لـ”الكرامة”، إن أهمية تحديث البيانات لا تقتصر على الجوانب الإجرائية، بل تمتد إلى حماية الحسابات من الاحتيال والعمليات غير المصرح بها، وتسهيل الخدمات الرقمية، وتعزيز قدرة المصارف على مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المالية.
ويشير إلى أن سياسات الإصلاح المصرفي تمثل إحدى الأدوات المهمة لمعالجة أوجه الضعف داخل الجهاز المصرفي، لافتاً إلى أن القطاع واجه خلال السنوات الماضية تحديات شملت ارتفاع القروض المتعثرة، وتراجع الملاءة المالية لبعض المؤسسات المصرفية، وضعف مستويات الكفاءة والخدمات والربحية.
استقرار الصرف
ويرى فتحي أن الإجراءات النقدية وحدها لا تكفي لضمان استقرار مستدام لسعر الصرف، مؤكداً ضرورة زيادة إيرادات البلاد من العملات الأجنبية عبر رفع الصادرات وتقليص الاعتماد على الواردات وزيادة الإنتاج المحلي.
ويضيف أن تحسين الميزان التجاري وتقليل الطلب على الدولار يتطلبان ضبط التجارة الخارجية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، وجذب تحويلات السودانيين العاملين بالخارج إلى القنوات الرسمية، إلى جانب تقليل التدفقات المالية الخارجة من البلاد.
وأشار إلى أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل وما أعقبها من تدمير للبنية التحتية وتوقف عدد كبير من المصانع والشركات أثرت بصورة مباشرة على القدرات الإنتاجية والتصديرية للسودان، في الوقت الذي استمرت فيه الحاجة إلى الواردات، ما زاد الضغوط على موارد النقد الأجنبي.
ودعا فتحي إلى تحديث استراتيجية تنمية الصادرات وتحديد الأسواق المستهدفة والسلع التي يمتلك فيها السودان ميزات تنافسية، إلى جانب وضع رؤية اقتصادية واضحة تشترك في تنفيذها الحكومة ومجتمع الأعمال، بهدف زيادة الإنتاج وتقليل الاستهلاك غير الضروري وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.
وأعتبر فتحي أن الدمج المصرفي وبرامج الإصلاح المالي والإداري من الوسائل القادرة على معالجة جانب من مشكلات الجهاز المصرفي ورفع كفاءة أدائه، بما يعزز قدرته على تمويل القطاع الخاص ودعم الاستثمار وزيادة معدلات الادخار والنمو الاقتصادي.
سياسات جديدة
وتضع الإجراءات الأخيرة بنك السودان أمام اختبار يتمثل في مدى قدرته على تحقيق ثلاثة أهداف متزامنة،توفير النقد الأجنبي للأنشطة الاقتصادية، وإعادة التعاملات إلى الجهاز المصرفي الرسمي، وتشديد الرقابة على الحسابات والمعاملات المالية.
وفي ظل تراجع الموارد الإنتاجية والضغوط الكبيرة التي يواجهها الاقتصاد، فإن استدامة استقرار سوق الصرف ستظل مرتبطة بمدى نجاح الدولة في استعادة النشاط الإنتاجي وزيادة الصادرات وتوسيع موارد النقد الأجنبي، بالتوازي مع إصلاح الجهاز المصرفي ورفع كفاءته الرقابية والتقنية.
وبينما تمثل مرونة استخدام حصائل الصادر واستمرار ضخ النقد الأجنبي خطوات يمكن أن تخفف الضغوط عن المستوردين والمصارف، فإن أثرها على سعر الصرف سيظل رهيناً بحجم الموارد المتاحة وقدرة الاقتصاد الحقيقي على توليد موارد نقد أجنبي بصورة مستدامة.






