اندياح
داليا الياس
مصارع السوء
سؤال يلح على خاطري منذ زمن بعيد بسبب مراقبتي اليومية لما يحدث على السوشيال ميديا…(حين يتحول الاختلاف إلى إساءة.. من يحمي الأسر من معارك لا تخصها)؟.
إن من أكثر الظواهر إيلاماً في حياتنا اليوم أن نختلف مع شخص فنقرر فجأة أن ننسى موضوع الإختلاف نفسه…ونبدأ في البحث عن حياته الخاصة… وأسرته… وأعراضه… وماضيه… ونقاط ضعفه… وكأن إختلافنا معه يمنحنا الحق في هدم حياته والتشهير به ومحاسبته !.
متى أصبح الإختلاف في الرأي مبرراً للإساءة الشخصية بهذا القدر المتداول؟…ومتى أصبحت الخصومة الفكرية أو السياسية أو الاجتماعية تصريحاً مفتوحاً للخوض في الأعراض وإنتهاك الخصوصيات؟.
نحن نختلف.. وهذا طبيعي بحسب الفطرة البشرية…
بل إن الاختلاف دليل على أننا بشر أصحاب عقول… لكل منا تجربته ورؤيته وقناعاته وطريقته في قراءة الأشياء…..لكن المشكلة تبدأ حين نعجز عن مناقشة الفكرة….. فننتقل إلى معاداة صاحبها بسفور….وحين نعجز عن الرد على الحجة…فنبحث عن عيب في الشخص لنستخدمه ضده…وإن لم نجده…إخترعناه وعمدنا لترويجه بشتى السبل.
فالأكثر خطورة الآن أن كثيراً من هذه الإساءات لا تكون مبنية على حقيقة أصلاً…وإنما على إشاعة… أو قصة مبتورة… أو معلومة مجهولة المصدر…أو حتى كذبة صيغت بعناية لتبدو وكأنها حقيقة.
ثم تنتشر الكذبة أسرع من الحقيقة… ويصبح الشخص مطالباً بالدفاع عن نفسه أمام اتهام لم يرتكبه أصلاً!.
لكن هل يتوقف الأمر عند الشخص المستهدف؟….
بالطبع لا ! هناك أسرة تقرأ… وأطفال يسمعون…وأم أو أب يضطران إلى الإجابة عن أسئلة لم يكن من المفترض أن تُطرح أصلاً… هناك أبناء قد يذهبون إلى مدارسهم أو جامعاتهم وهم يحملون على أكتافهم تبعات كلام قيل عن أحد والديهم ….وهناك زوجة أو زوج يجد نفسه فجأة داخل معركة لم يخترها… وأقارب وأصدقاء تتغير نظرتهم… وفرص عمل قد تتأثر…وعلاقات إجتماعية قد تنكسر…وحالة نفسية قد تتدمر…وسمعة قد تُشوه بكلمات تُكتب في ثوانٍ… بينما يحتاج إصلاح آثارها إلى سنوات.
وهذا مادفعني للتساؤل…هل توقف أمثال هؤلاء يوماً للتفكير في مآلات الكلمة قبل أن يكتبونها؟!…هل أسقطوا الأمر بأبعاده على أنفسهم؟!…هل فكر من يطلق اتهاماً عابراً على شخص ما في أن هذا الإتهام قد يصل إلى أطفاله فينسف مستقبلهم ؟..هل فكر في أن مجرد جملة يكتبها وهو غاضب بدون سبب مباشر قد تصبح مادة يتداولها الناس لسنوات؟…هل فكر أن الإنسان الذي يهاجمه ليس مجرد إسم على شاشة وإنما إنسان له بيت ومشاعر وأسرة وأبناء وحياة خاصة؟!
المؤسف أننا أحياناً نتصرف على مواقع التواصل الاجتماعي وكأن من وراء الحسابات أشباحاً لا بشراً!.
ننسى أن وراء كل إسم إنساناً قد يتألم… وقد ينكسر…وقد يعود إلى بيته محملاً بكلمات جارحة لم يكن يستحقها تفتح عليه ألف باب.
والأشد قسوة أن البعض لا يكتفي بالإساءة… وإنما يتفنّن في إختلاق القصص بأقذر السيناريوهات… وتركيب الوقائع… وإجتزاء المواقف… ثم تقديمها للجمهور على أنها حقائق مجردة….!! وهنا تكمن الكارثة.
عليه…. ليس كل ما يُقال يستحق التصديق…وليس كل ما يُنشر يستحق المشاركة… وليس كل ما نسمعه يمنحنا الحق في إعادة نشره…
هناك فرق كبير بين النقد والتشهير… وبين المساءلة والإنتقام… وبين الإختلاف وتعمد الإيذاء….من حقك أن تقول: (أنا أختلف معك)….
ومن حقك أن تنتقد قراراً أو موقفاً أو فكرة أو رأياً أو إنتماء سياسي…..
ومن حقك أن ترفض مايطرحه الآخر…
لكن ليس من حقك أن تحوّل خلافك معه إلى محاولة لتدمير حياته… أو استباحة خصوصيته… أو الزج بأسرته وأطفاله في معركة لا علاقة لهم بها!!
والحقيقة أن الإنسان الراقي المتحضر الواعي المتوازن نفسياً… لا يحتاج أبداً إلى إهانة خصمه حتى ينتصر عليه….القوي يرد بالحجة….
والواعي يناقش الفكرة…
والشجاع يواجه الموقف بالموقف….أما الذي لا يجد ما يقوله إلا في أعراض الناس وخصوصياتهم…فهو في الحقيقة لا ينتصر لقضيته…وإنما يكشف عن عجزه عن الدفاع عنها….وعن إنحرافه السلوكي…وأمراضه النفسية المتراكمة.
وأنا أؤمن أن هناك لحظة يجب أن نتوقف فيها جميعاً أمام أنفسنا قبل أن نكتب أو ننشر أو نتهم لنفترض :
ماذا لو كان هذا الكلام عني؟
ماذا لو كان إبني هو الذي سيقرأه؟…ماذا لو كانت إبنتي هي التي ستسمعه؟…
ماذا لو كان الشخص الذي أسيء إليه اليوم هو شخص ستجمعني به الظروف غداً؟…وماذا لو إكتشفت بعد إنتشار الكلام ومشاركتي في تداوله أنني كنت أردد كذبة؟الكلمات لا تعود إلى أفواهنا بعد خروجها… والمنشورات لا تختفي بسهولة بعد إنتشارها… والسمعة ليست ورقة يمكن تمزيقها ثم إستبدالها بأخرى….. والتوضيحات لاتجد حظها بذات قدر الإتهامات…
لذلك نحن بحاجة إلى قدر أكبر من المسؤولية الأخلاقية في خلافاتنا.
أن نتعلم أن نختلف دون أن نؤذي ونضمر الشر….
أن ننتقد دون أن نشهر….
أن نرد دون أن ننتقم….
وأن نعرف أن إحترام خصوصية الإنسان لا يتوقف على إتفاقنا معه من عدمه….
قد لا أحب رأيك…وقد أرفض موقفك… وقد أختلف معك حتى النهاية… لكنني لا أملك حق إنتهاك إنسانيتك.
فلنختلف كما نشاء…
لكن لنترك للأعراض حرمتها… وللبيوت خصوصيتها… وللأطفال براءتهم… وللناس حقهم في أن يعيشوا حياتهم بعيداً عن أحقادنا…ولنرحم أنفسنا ونكفيها شر مغبة الذنوب التي سنحصدها …
فحتماً سنقف أمام الله يوماً ونُسأل عن كل ما إقترفناه…ولا يهوى بالناس إلى جهنم إلا حصاد ألسنتهم … والله لا يغفر حق الناس مالم يسامحوك…والكثيرين منا سيسألهم الله عما حاق بهم… ولن نعفو.
*تلويح:
جرح السيف يبرأ….وجرح الكلمة يبقى.






